القراءات: 1134
2010-05-04
نـــــــــــــــــــزار حيدر لوكالة (السلطة الرابعة) الاليكترونية للانباء:المعلومة سر نجاح الاعلام
فيما يلي، نص الحوار الذي اجراه الزميل ميثم النصيري، المحرر في وكالة (السلطة الرابعة) الاليكترونية للانباء، مع نـــــــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، والذي يصادف (3 أيار 2010). السؤال الاول: هل تمكنت وسائل الاعلام العراقية من الوصول الى حرية التعبير والاخذ بالراي والراي الاخر خلال السنوات السبع الماضية؟. الجواب: في البدء، علينا ان نتذكر بان حرية التعبير ليست قرارا حكوميا، بل انها ثقافة وتقاليد تولد وتتكرس وتتجذر بالتراكم في المجتمع، اي مجتمع. فليس الحكومة دائما هي التي تمنح حرية التعبير، فقد تكون العادات والتقاليد هي التي تشكل حجر العثرة امامها، كما قد تكون احيانا منظومة (المقدسات) المزيفة هي التي ترسم الخطوط الحمراء في المجتمع لتحديد مساحات ما يسمى باللامفكر فيه، وفي احيان كثيرة يكون المرء هو من يرسم الخطوط الحمراء لنفسه فيبتعد عن حرية التعبير بنفس المسافة التي يشرنق فيها ذاته بمثل هذه الخطوط الحمراء. واذا عدنا الى تجربة حرية التعبير في العراق الحديث، وتحديدا الى ما قبل مرحلة حكم الطاغية الذليل صدام حسين، لوجدنا ان حرية التعبير كانت في اغلب الاحيان مصادرة وممنوعة ليست من الحكومة وانما من المجتمع بسبب منظومة (المقدسات) التي كان قد حددها لنفسه على مدى ربما قرون متمادية من الزمن، ولعل تجربة عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي واحدة من النماذج الصارخة بهذا الصدد، فعندما كان يحاضر او يكتب، لم تحاربه الحكومة وانما الذي كان ينصب له العداء المستحكم هم (المقدسون المزيفون) الذين نصبوا انفسهم زعماء محاكم تفتيش على افكار الناس، (المقدسون) الذين كانوا يرون في افكاره تهديدا لمواقعهم (المقدسة) في المجتمع العراقي. اما في الفترة الممتدة من تموز 1968 ولغاية نيسان 2003، وهي فترة حكم النظام الشمولي الطائفي العنصري، فقد تغير الحال ليضاف القمع السلطوي الى (المقدسات المزيفة) ضد حرية التعبير، والتي غابت عن العراقيين جملة وتفصيلا، اذ لم يعد المواطن قادر على ان يقرا او يسمع او يرى سوى ما يقرره له النظام الحاكم فحسب. والذي حصل في التاسع من نيسان عام 2003 هو زوال استبداد السلطة الذي كان قد صادر حرية التعبير بشكل كامل، اما الموانع الاجتماعية والثقافية والتاريخية وغيرها فلا زال الكثير منها على حاله، ولذلك نرى مثلا ان الكثير من المثقفين والكتاب والباحثين يخشون قول الحقيقة الكاملة خوفا من الجماعات الظلامية التي عينت نفسها وصيا على المجتمع الذي تراه قاصرا عن معرفة مصالحه، خاصة على مستوى الفكر والثقافة. واتذكر جيدا كيف ان حفنة من هذه الجماعات كادت ان تهدر دمي ابان سقوط الصنم عندما كنت في بغداد محتفيا بالتغيير مع بقية العراقيين، لانني عبرت عن رايي في الدين كونه منظومة القوانين التي بعثها الله تعالى بواسطة رسله وانبيائه من اجل حياة الانسان الدنيا وليس من اجل آخرته، بمعنى ان الدين هو لاسعاد البشر في الدنيا لينالوا جزاءهم في الاخرة، ان خيرا فالجنة ماواهم وان شرا فالنار سوء المنقلب، الا ان هذه الحفنة الظلامية رفضت تفسيري هذا للدين، فنعتتني بالمريض ثقافيا على حد قول احدهم، عندما وصفت حالتي الثقافية بالانحراف الذي قد يؤثر سلبا في المجتمع اذا ما استمر حيا، لولا ان تدخل احد اصدقائي ممن يعرفني جيدا ويعرف توجهاتي وثقافتي وافكاري ليتوسط عند هذه الحفنة ليعدلوا عن اصدار قرار الموت بحقي. تاسيسا على ذلك فانا اعتقد بان وسائل الاعلام العراقية نجحت الى حد كبير في تحقيق طفرة نوعية في التاسيس لحرية التعبير والاخذ بالراي والراي الاخر بالرغم من فداحة الثمن الذي دفعته والذي تمثل بقوافل الشهداء والمعوقين من اصحاب القلم والجنود المجهولين العاملين في مجال الصحافة. ومن اجل ان يتواصل التاسيس لحرية التعبير،فان على وسائل الاعلام ان تتحدث اكثر فاكثر عن (المقدسات) غير الحقيقية وغير الواقعية التي لا زالت موجودة في المجتمع العراقي والتي تحول دون تحقيق انطلاقة اكبر لحرية التعبير، طبعا بالتعاون مع العلماء والفقهاء والمفكرين المتنورين من الذين بامكانهم تحديد مساحات مثل هذه (المقدسات) لقلعها من المجتمع والغاء تاثيرها السلبي كليا، والا فستبقى حرية التعبير اسيرة مثل هذه (المقدسات) التي جلها ما انزل الله تعالى بها من سلطان، وانما صنعها من اسماهم الدكتور علي الوردي بـ (وعاظ السلاطين) الذي يعتاشون على (المقدسات) المزيفة من خلال توسيع مساحاتها لخداع الناس واستغفال المجتمع والاستخفاف بالعقول. ان حرية التعبير لها اكبر الاثر في تحديد مسارات الراي العام في المجتمع، ولذلك فهي تتناقض جملة وتفصيلا مع مبادئ كالقائد الضرورة والذات المقدسة وغيرها من الاسلحة التي يتخندق خلفها الظلاميون والمنتفعون من الذين يخافون الراي والري الاخر، ويتحاشون النقد والمساءلة والرقابة وغير ذلك من المبادئ التي تقوم على اساسها حرية التعبير، ولذلك فان الاعلام في العراق تقع عليه مسؤولية تحطيم مثل هذه الاسلحة للحيلولة دون مصادرة الراي والراي الاخر او الحجر على حرية التعبير. السؤال الثاني: الا تعتقدون بان الصحفي العراقي بحاجة ماسة الى اقرار قانون خاص بحق امتلاك المعلومة؟. الجواب: برايي، فان المعلومة هي سر نجاح اي اعلام، لان الاعلامي الذي يعرفه علماء وسائل الاتصال العامة بانه مؤرخ اللحظة، يعتمد في الاساس على المعلومة التي يبني عليها قصته الخبرية وتقريره الصحفي وبرنامجه الحواري وعموده اليومي بل وحتى الصورة التي تعتمد في الاساس على المعلومة، وغير ذلك من النشاطات الاعلامية، فلو اعتمد الصحفي على معلومة صحيحة فانه سيبني كل جهده الصحفي على اساس صحيح، اما اذا غابت عنه المعلومة او حصل على معلومة غير صحيحة، فان كل مواده الاعلامية سيبنيها على اساس خطا، او انه يضطر اما الى فبركة مادته الاعلامية او اللجوء الى الانشاء واللف والدوران والحشو الذي لا طائل من ورائه لاكمال قصته، ايا كانت هذه القصة، لانه مضطر الى ان يسجل حضورا في الساحة، فان لم يكن هذا الحضور بالمعلومة فليكن بالفبركة او بالانشاء الطويل، وهذا ما نجده ونقراه في العديد من وسائل الاعلام سواء كانت المقروءة منها او المسموعة او المرئية، كما اننا نلمس مثل ذلك في قصص الكثير من الكتاب والصحفيين و (الخبراء) و (الباحثين) الذي يطلون علينا عبر الشاشة الصغيرة تحديدا، لدرجة انك تشعر من اول كلمة ينطقها انه لا يمتلك شيئا ليقوله وانما استدعته القناة ليملا فراغا ما، لماذا؟ لانه لا يمتلك اية معلومة صحيحة وجديدة عن الموضوع الذي يتحدث فيه، اما قصورا او تقصيرا لا فرق. من هنا اعتقد بان على الدولة العراقية الجديدة وكذلك على المجتمع العراقي، خاصة منظمات المجتمع المدني ومراكز الابحاث وغيرها، ان تهتم بشكل اكبر من اجل التثقيف على (المعلومة) فان ذلك سيساعدنا على التقليل من ثقافة الشائعات والدعايات التي تجد في المجتمع الذي تغيب عنه المعلومة جوا مساعدا على انتشارها اكثر من غيره، ولهذا السبب نلحظ ان الشائعات تطير بسرعة البرق في المجتمعات المغلقة والتي تحكمها انظمة شمولية والتي تضع المعلومة في الصندوق السحري للحيلولة دون وصولها الى الراي العام، اما في المجتمعات الديمقراطية فليس هناك شئ اسمه اشاعة او دعاية، لان المعلومة مشاعة تتداولها وسائل الاتصال الجمعي بكل حرية وشفافية. ان على مجلس النواب العراقي القادم ان يبادر فور انعقاده في دورته الدستورية الجديدة الى تشريع القانون الخاص المتعلق بموضوع الصحافة والصحافيين، والذي نصت احدى فقراته على مفردة المعلومة من خلال ضمان حق الصحفي في الوصول اليها من دون عراقيل او حواجز او موانع ومن اي نوع كانت. ان تامين الدولة لوصول المعلومة الصحيحة والدقيقة لوسائل الاعلام العراقية تحديدا يساهم في صناعة راي عام لصالح سياساتها، كما ان ذلك يساعدها على حل مشاكلها لان المعلومة التي تصل للمواطن بطرق سليمة تساهم بشكل كبير في تفهمه لمشاكل الدولة ومعاناتها. لقد اجتمعت مرة مع احد الوزراء الحاليين في الحكومة العراقية لمدة تقرب الست ساعات احدثه عن مشاكل الناس وما يقوله العراقيون عن الحكومة، فيما بذل هو كل جهده من اجل تبرير هذه المشاكل، والتي وجدت في الكثير من تبريراته جدية في التحليل وصحة في المعلومة، وفي نهاية الاجتماع قلت له حقيقة في غاية الاهمية وهي، ان كل دول العالم الحر تمر بمثل هذه المشاكل والصعوبات الا ان شعوبها تتفهم مشاكل الحكومة لان الاخيرة تحدثهم بلغة الارقام والاحصائيات الدقيقة وبلغة علمية مقبولة ومعقولة، اما في العراق مثلا، فان العراقيين لا يغفرون للحكومة معاناتها ومشاكلها لانهم لا يعرفون شيئا عنها، ولا يعرفون عن حقيقتها وجذورها اي شئ، ولذلك يتذمرون بسرعة، ولذلك فانا اعتقد بان من مسؤولية الحكومة ان تتحدث عن مشاكلها للناس فلا تخفي عنهم الحقائق ولا تبرر بطريقة ممجوجة، فما كان من السيد الوزير الا ان ثنى على هذه الحقيقة، ووعدني بان يفعل هو ذلك بما يخص وزارته على الاقل. على الحكومة، اذن، ان تمنح الاعلام الفرصة الكافية واللازمة ليساعدها على حل مشاكلها من خلال المصابرة، اي مساعدة الناس على تفهم المشاكل ليصبروا على الحكومة وبقية مؤسسات الدولة، ولا يكون كل ذلك الا بتبني الحكومة لسياسة مساعدة الاعلام على الوصول الى المعلومة وعدم اخفاء الحقائق وان كانت مرة، فالتذمر اكثر مرورة، لانه يدفع بالجميع الى الفشل دفعا. لماذا الى الان يتحدث المسؤول العراقي بلغة انشائية؟ وفي اي شان من الشؤون؟ ولماذا الى الان نرى المسؤول يلف ويدور حول المشاكل وكان في فيه شئ يريد ان يقوله ولكنه يتجنب ذلك بكل الطرق؟ لماذا لا يتحدث المسؤول عن زيارته الفاشلة الى اية دولة من الدول؟ لماذا لا يتحدث الزعماء والقادة عن اجتماعاتهم الفاشلة؟ وفي احسن الحالات يتحدثون بلغة انشائية من قبيل، ان وجهات النظر كانت متطابقة وان الاجتماع تطرق الى الحديث عن مجمل القضايا التي تهم البلد، وكانه اجتماع ضم عدد من العجائز او الصبية التي تلعب في شارع المحلة؟. اتذكر مرة انني اجتمعت مع مسؤول رفيع في الدولة العراقية وتحدثنا في امر محدد، اذا بالمكتب الاعلامي التابع له يصدر بيانا في اليوم التالي من الاجتماع قراته في وسائل الاعلام وعلى مواقع الانترنيت، يقول بان في اللقاء جرى الحديث عن قضايا لم اتطرق اليها مع المسؤول الرفيع على مدى تسعين دقيقة حتى ولا بحرف واحد، وعندها عرفت كم هي كاذبة او انشائية البيانات والتصريحات التي يدلي بها المسؤولون عقب كل اجتماع. ولعل من اكبر الادلة على ما اذهب اليه هو ما نسمعه ونقراه من زعماء الكتل التي تتحاور اليوم لتشكيل الحكومة الجديدة، والتي تصور لنا الامور وكانها قاب قوسين او ادنى من الاتفاق النهائي، فيما لا زالت المسافة بيننا وبين تشكيل هذه الحكومة المرتقبة اميالا عديدة، فما الذي نصدقه، التصريحات ام الواقع المر؟. السؤال الثالث: ما مدى تاثير الاعلام العراقي على صنع القرار السياسي؟ وهل نجح في ان يكون حلقة الوصل بين المواطن والمسؤول؟. الجواب: لا شك في ذلك، فالاعلام في العراق الجديد تحول بدرجة كبيرة الى لسان حال المواطن بعد ان كان لسان حال الحاكم حصرا، على الرغم من ان بعض وسائل الاعلام العراقية لا زالت تتعامل مع الاعلام كمهنة اعتياش وليس كرسالة مقدسة ينبغي ان لا يخونها من يتصدى لها مقابل حفنة من المال او منصب في الدولة مثلا. لذلك نرى ان الكثير من الاعلاميين لا زالوا يسعون الى تسخير اقلامهم لخدمة هذا الزعيم او ذاك الحزب بغض النظر عن صحة او خطا المواقف والآراء والسياسات، وهذا ما ينبغي ان يقلع عنه الاعلاميون ليصونوا الرسالة من العبث وليحافظوا على قدسيتها، وتاليا يصونوا مصداقيتها ليحتفظوا بثقة المتلقي دائما. ومع كل ذلك، يبقى امام هذا الاعلام مشوار طويل عليه ان يجتازه قبل ان يكون سلطة رابعة حقيقية تهلك ملوكا وتستخلف آخرين، وان كنت احبذ ان اسمي الاعلام بالسلطة الاولى عندما يصل الى مثل هذه المرحلة. السؤال الرابع: ما هي الوسائل التي تجدون بان على الحكومة تقديمها للصحفي ليتمكن من ايصال المعلومة بكل حرية؟. الجواب: ما يلفت النظر لحد الان، هو ان المسؤول في العراق الجديد لا زال لا يثق بوسائل الاعلام العراقية، ولذلك لا يسرها بخبر ولا يمنحها فرصة التالق بالمعلومة الخاصة او الراي الخاص او المشروع الجديد. انه لا زال يعشق الاعلام الاجنبي، ويثق به ثقة عمياء، فتراه تنفتح اساريره اذا وقف امام عدسة الاعلام الاجنبي، عربيا كان ام غيره، ولكنه عبوسا قمطريرا شارد الذهن مستعجلا امام العدسة العراقية، وهو اذا تحدث للاول اخرج كل المعلومات التي في بطنه بالمجان ليكسب وده اولا فيعيد الكرة معه، وليبعث برسالة الى (الاجانب) بانه منفتح ويتعامل مع الاعلام بشفافية، بل ان الكثير من المسؤولين يدفعون اموالا طائلة لوسائل الاعلام غير العراقية لتتابع عدساتها حركاته وسكناته في دعاية مكشوفة الاهداف والنوايا. اما اذا تحدث لوسيلة اعلامية وطنية فيتحدث لها بالقطارة على حد وصف العراقيين للبخيل، فترى الصحفي مضطرا في هذه الحالة الى ان يبذل جهدا استثنائيا لانتزاع المعلومة منه والتي عادة ما تكون من الدرجة الثانية فالمسؤول لا يدلي بها للاعلام العراقي الا بعد ان يكون قد سربها الى وسيلة اعلامية اجنبية. قد يقول قائل ان ذلك امر طبيعي لان الاعلام غير العراقي اكثر انتشارا واتساعا من الاعلام العراقي، فكيف تطلب من المسؤول ان يعطي للوسيلة الاعلامية العراقية معلومة خاصة قد تقبر في مهدها لمحدودية الوسيلة فيما يريدها المسؤول ان تطير في العالم باسرع وقت؟. ان الجواب على ذلك، هو ان كل مسؤول في العراق بامكانه ان يوسع من دائرة الاعلام العراقي ومن انتشاره وتاثيره في الاتجاهات الاربع من هذا العالم اذا ما قرر ان يتعامل معه بايجابية وفاعلية اكبر، فيمنحه المعلومة الخاصة قبل ان يمنحها لغيره، ويتحدث اليه بروح رياضية ملموسة كما لو انه يتحدث الى غيره، ويدفع له بدلا من ان يدفع لغيره، وهكذا. دعوني اضرب مثلا بهذا الصدد واتحدث بصراحة، فاسوق تجربة تلفزيون (المنار) التابع لحزب الله اللبناني كمثال حي على هذا النوع من صناعة الاعلام. فلقد بدا (المنار) كمحطة حزبية لا يتابعها سوى الحزبيين التابعين او المعجبين بتجربة الحزب الممول لهذه المحطة، واقصد به (حزب الله) الا ان قرار الحزب في دعم المحطة ودفعها الى الامام لتاخذ مكانها المؤمل بين وسائل الاعلام العالمية هو الذي ساعد المحطة على ان تتقدم وتكبر وتنتشر لدرجة انها ارعبت صناع الاعلام العالمي ما دفعهم الى اتخاذ قرار منعها من البث في العديد من الاقمار الصناعية. وان من بين قرارات الحزب لدعم وتقوية المحطة هو انه لا يسرب اية معلومة خاصة الا من خلال (المنار) كما انه لا يعلن عن خطة او مشروع او فكرة او اي شئ آخر يخص الوضع والمقاومة وغير ذلك الا من خلالها حصريا، ولان العالم بحاجة ماسة الى ان يتابع نشاط الحزب وبرامجه وخططه وافكاره وآرائه وتوجهاته وخططه المستقبلية، لذلك اضطرت كبريات المحطات العالمية ووسائل الاعلام الدولية الى ان تنقل الخبر والمعلومة عن (المنار) ما ساهمت جميعها في اتساع رقعة الاهتمام بها من حيث يريدون او لا يريدون، اذ تحولت جل وسائل الاعلام العالمية الى وسائل دعاية لـ (المنار) على قاعدة (مكره اخاك لا بطل). واقول بصراحة، فان المسؤول في العراق لا زال يعاني من عقدة (الحقارة) التي تعني هنا شعوره بالنقص اذا وقف امام الكاميرا العراقية الا انه يشعر بالفخر والاعتزاز اذا وقف امام الكاميرا غير العراقية، ولذلك لا يمكن ان نرى اعلاما عراقيا مؤثرا في هذا العالم قبل ان تتغير نظرة المسؤول الى الاعلام الوطني، ما يتطلب منه اولا التخلص من عقدة (الحقارة) هذه التي تحول بينه وبين التفاعل مع الاعلام العراقي. ان هذا هو الشئ الاهم الذي يجب ان تقدمه الحكومة العراقية للاعلام العراقي، واداته الاساسية، الصحفي، الذي عليها ان تسهل له كل الامور للحصول على المعلومة اولا باول، وعلى الخبر والراي والمشروع، وتحديدا ما هو خاص ولم ينشر من قبل. كما ان على الحكومة ان تضمن مساحة حرية اوسع للاعلام العراقي ليتسنى له التصرف بالمعلومة بطريقة تحقق اكبر قدر ممكن من الثقة المتبادلة بينه وبين المتلقي، وهذا هو سر المهنة بالنسبة الى الصحفي، والا، لماذا لا زال المتلقي العراقي، مثلا، يثق بالبي بي سي وبكل ما تقوله ولكنه يتوجس خيفة او يتردد او يشكك قبل ان يقبل الخبر من الاعلام الوطني؟ اوليس لانه خبر ثقة البي بي سي وتيقن منها عبر تجارب عديدة راكمت الثقة حتى تحولت في اغلب الاحيان الى ثقة عمياء. لذلك، فان من اولى مهام الحكومة العراقية بهذا الصدد هو ان تساعد الاعلام الوطني على مد جسور الثقة مع المتلقي العراقي تحديدا، ومن ثم تراكم هذه الثقة الى ان يتحول الاعلام العراقي الى مصدر ثقة عند المتلقي في العراق وفي غير العراق. على الصعيد التقني، ينبغي ان تخصص الدولة العراقية راسمالا ضخما للنهوض بالاعلام، بشري ومادي. على صعيد راس المال البشري، من خلال ايلاء كليات الاعلام والاتصالات وعلم النفس وغير ذلك اهتماما اكبر ان من خلال الرعاية الخاصة التي يجب ان توليها الدولة الى الطلبة الذين ينوون التخصص في هذه المجالات او على صعيد الدعم المعنوي للابحاث المتخصصة بهذا الشان لزيادة مجال الدراسات العلمية المتخصصة. اما على الصعيد المالي، فينبغي تخصيص ميزانيات معقولة للبعثات ودورات التدريب والتاهيل المهني واستخدام التكنولوجيا وغير ذلك. ينبغي علينا جميعا ان نضع نصب اعيننا حقيقة في غاية الاهمية وهي ان معركتنا الحقيقية مع العدو، ايا كان هذا العدو وباي زي كان او هوية تلبس، سواء كان ارهابا او تشددا دينيا او تطرفا بكل اشكاله او تخلفا، انما هي اعلامية بالاساس، فبالاعلام الطائفي انتشر الارهاب في العراق وبالاعلام المعادي زاد التطرف في مجتمع معتدل كالمجتمع العراقي وهكذا، ولذلك ينبغي علينا ان نتسلح بادوات الاعلام بشكل سليم لنتعامل معها بصورة صحيحة، والا فسيكون حالنا كحال المحارب الذي يدخل حربا الكترونية بمنجل صدئ، هل يظن انه سينتصر بها؟ الا ان يكون مجنونا. السؤال الخامس: هل وصل الاعلام العراقي الى ما وصل اليه الاعلام الحر في الدول الديمقراطية؟. الجواب: بالتاكيد ليس كذلك، فبين الاعلام في الدول الديمقراطية والاعلام العراقي بون شاسع، ولكن، وفي نفس الوقت، فان الاعلام العراقي يسير باتجاه تقليص الفجوة بينه وبين الاعلام في الدول الديمقراطية. ويمكن معرفة مدى اقتراب الاعلام العراقي من ذاك الاعلام، بقياس ترموميتر الثقة بينه وبين المتلقي، والذي يؤشر على مدى اتساع الاشاعة او غيابها عن الواقع الاجتماعي، اذ كلما غابت الشائعة او تقلصت مساحة وجودها في المجتمع، فان ذلك دليل ثقة المتلقي بالاعلام الوطني، والعكس هو الصحيح، فكلما اتسع نطاق الشائعات والدعايات في المجتمع فان ذلك يعني تقلص مساحة الثقة بين هذا الاعلام والمتلقي. ان على عاتق مؤسسات الدولة العراقية تقع مسؤولية منح الفرص اللازمة والمتكررة للاعلام العراقي لينهض ويكبر ويقوى في التاثير. ان واحدة من الامور الاساسية التي ساعدت الاعلام في الدول الديمقراطية على النمو والاتساع في التاثير، هو مساعدة الدولة، وبكل اجهزتها وشخوصها، له في الوصول الى المعلومة، ففي الولايات المتحدة الاميركية مثلا، تتنافس مؤسسات الدولة، بالاضافة الى المسؤولين، على سرعة تسريب المعلومة الى هذه الوسيلة الاعلامية او تلك لمساعدتها على البروز، وتاليا لمساعدتها على التاثير من خلال تعميق الثقة بينها وبين المتلقي، لدرجة ان كل واحدة من كبريات الصحف هنا، وكذلك كبريات محطات التلفزة، يعتبرها المراقبون والمحللون مؤشر على سياسات وتوجهات مؤسسة ما من مؤسسات الدولة، فهذه الصحيفة مؤشر على سياسات البنتاغون (وزارة الدفاع) وتلك مؤشر على اتجاهات وزارة الخارجية والاخرى مؤشر على اتجاهات وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) ورابعة مؤشر سياسات البيت الابيض وهكذا. ولعل القارئ الكريم اطلع على الكثير من قصص الصحفيين ووسائل اعلامهم ومدى تاثيرهم في السياسات العامة، بل وحتى في اسقاط الزعماء واجبار الكثيرين منهم على الاستقالة او الاقالة، وكلنا يتذكر مثلا دور الصحفي الاميركي اللامع محرر (الواشنطن بوست) (بوب وودوارد) في قضية (فضيحة الووتر كيت) والتي اطاحت برئاسة (ريتشارد نيكسون)واخرجته من البيت الابيض. كما اطلع كثيرون على قصة المرتب السنوي الذي كان يتقاضاه الملك الاردني السابق الحسين بن طلال من وكالة المخابرات المركزية الاميركية (سي آي أي) وعلى مدى اكثر من ربع قرن تقريبا بصفته موظفا رسميا لديها مقابل معلومات خاصة يقدمها للوكالة، والمرتب هو مليون دولار حسب القصة التي كشف عنها وبالتفصيل رئيس التحرير الاسطوري لجريدة (الواشنطن بوست) (بنيامين برادلي) والتي اشتملت على معلومات ابلغها اليه محرر الجريدة (بوب وودوارد) والذي ذكرها بالتفاصيل المملة في كتابه (الظل) وكيف ان الرئيس جيمي كارتر اضطر للاعتراف بالحقائق المتعلقة بهذه القصة له ولزميله الاخر في لقاء خاص جمعهما مع الرئيس في البيت الابيض. وغيرها الكثير من هذه القصص الاعلامية التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك من ان الاعلام في البلاد الديمقراطية يلعب الدور الابرز في الرقابة والمتابعة والمساءلة وتاليا في العقاب اذا كانت القصة على درجة كبيرة من الخطورة التي تهدد المسؤولية في مقتل. وبكلمة اختصر الحديث بهذا الشان واقول: متى ما بدا الاعلام العراقي يتسبب في اقالة وزير او ايقاف مشروع او الضغط باتجاه تبني مشروع او اقالة وزارة باكملها او ملاحقة مسؤول فاسد او الكشف عن صفقات احتيال او هدر المال العام، متى ما بدا الاعلام العراقي بانجاز كل ذلك واكثر، عندها يمكن القول بانه تساوى بتاثيره مع الاعلام في الدول الديمقراطية. اخيرا: شكرا جزيلا لوكالة (السلطة الرابعة) الاليكترونية للانباء وبالاخص للزميل ميثم النصيري، لاتاحته لي هذه الفرصة للحديث عن الاعلام العراقي في اليوم العالمي لحرية الصحافة، وكلنا امل في ان نرى الاعلام العراقي وقد اتخذ موقع الصدارة في التاثير في مجريات الامور في العراق الجديد.