القراءات: 233
0000-00-00
قصة إنشودة إمر لي عيتا وخونا برعيتا ومصير شعبنا
لشعبنا بتسمياته ومذاهبه المختلفة تراث وأدب وإرث هائل لا أظن يجاريه في أصالته وغناه أي شعب أخر في الدنيا. ووعاء هذا التراث الذي تعود جذوره إلى أكثر من 2500 سنة هي لغتنا القومية السريانية. ولغتنا هويتنا دونها لا هوية لنا. وللغتنا السريانية تراث إنشادي فلكوري موسيقي قلما يملك مثله شعب أخر في الدنيا. وهذا الفلكور وعاؤه لغتنا السريانية. لهذا التراث الإنشادي مميزات وخصائص كثيرة منها أننا لا نعرف في أحيان كثيرة أسماء المؤلفين والموسيقيين من أجدادنا العظام. منذ دخولنا المسيحية – وكنا اول شعب في الدنيا يعتنقها افواجا–تخلق أجدادنا لا سيما الكتاب والملافنة منهم بالأخلاق المسيحية ومنها التواضع. فإن كتبوا قصيدة رائعة وألفوا مقطوعة موسيقية عزفوا عن ذكر أسمائهم تواضعا. ولكننا محظوظون لأن أدبنا السرياني بكافة فروعه ومنه الكنسي لم يضيع رغم مجهولية الكثير من مؤلفيه ورغم تهميشه من قبلنا. ومن الروائع الأدبية والفنية في تراثنا تأتي إنشودة إمر لي عيتا حيث لا زلنا حتى اليوم لا نستطيع بالضبط تحديد إسم الشاعر الذي كتب هذه القصيدة الرائعة وكذلك إسم الشخص الذي وضع لحنها الجميل. قصة إنشودة إمر لي عيتا قبل أن أتي إلى قصة هذه الانشودة الرائعة أطلب من القراء الكرام الإستماع إليها على الرابط الأتي. وإن تتبعتُ سلوك أجدادنا العظام لقلتُ إنها من أداء محيلا وحلاشا عودا دمشيحا أي الحقير والمتواضعخادم المسيح . بالطبع ونتيجة للتطور التكنولوجي اليوم صار من المستحيل إخفاء الإسم: http://www.youtube.com/watch?v=mWjL7cRAfp0 كلمات القصيدة بسيطة جدا. رغم أنها مكتوبة بالسريانية الفصيحة إلا أنه من السهل لكل متحدث بأي من لهجاتها إستيعاب معانيها. فهي مستوحاة من أيات إنجيلية وحديث جرى بين بطرس الرسول والمسيح. وقد أدى هذا اللحن الكثيرون من أبناء شعبنا ومنهم كهنة وأساقفة وتسجيلاتهم موجودة على اليوتيوب. ولكن يجب ملاحظة أن الانشودة جرى تلحينها حسب فرع من فروع مقام البيات.والبيات مقام رئسي له فروع عديدة. بعضها متداول في أغلب دول الشرق الأدنى وبعض الأخر له خصوصية خاصة لكل شعب من شعوبها. فمثلا في العراق هناك الخنبات والقوريات والناري والمحمودي والسعيد مبرقق والإبراهيمي والجبوري وغيرها من الفروع. ولكن يبدو لي ان لحن او مقام إمر لي عيتا قريب جدا من فرع الدشت او الدشتي الذي يشتهر لدى الفرس إلا أنه يختلف عنه وأظن أنه يشكل فرعا خاصا بنا كشعب وهوية ولكن لنترك البت في ذلك للمختصين حيث يقع هذا خارج إختصاصي. لا نعر ف بالضبط من هو مؤلف هذه الإنشودة وتاريخها. وقد راسلت بعض المهتمين بتراثنا من أبناء شعبنا ولكن لم أصل إلى نتيجة مقنعة. منهم من يردها إلى المطران توما بيداويد أسقف مصر وأحواز سابقا، ومنهم من يقول إنها تعود لقرية سناط وكُتبت قبل حوالي 80 سنة. مهما كان الأمر لا نستطيع نكران أنها أنشودة مشتركة بين كافة اطياف شعبنا الواحد شأنها شأن أغلب تراثنا وأدبنا بكافة فروعه. واليوم يصعب القول أن هذه الأنشودة او هذه القصيدة تعود لهذا المكون فقط. كونها كتبت بلغتنا السريانية فإنها ملكنا جميعا. ما علاقة خونا برعيتا بالإنشودة خونا برعيتا راهب من الرهبنة الهرمزدية الكلدانية. كان مقره دير السيدة في ألقوش. تعرفت عليه عند إلتحاقي بالرهبنة قبل أكثر من 45 سنة. وكان خونا برعيتا قصير القامة كثيف اللحية وضريرا. وكان يملك صوتا جهوريا عذبا. وكان شاعر على السليقة. وكان كثير من الناس تزور الدير بغية لقائه. وكنت من محبيه والمتعلقين به لأنه كان نموذجا بين أقرانه في التواضع والتقشف والفقر والطاعة. كلما كنت ألتقيه يسألني عن إسمي وفورا يؤلف عدة أبيات شعرية قافيتها نون. ولكن ما يهمنا هو أن خونا برعيتا كان يشتهر بأدائه المميز لهذه الأنشودة وكان ينشدها لكل شخص يطلبها منه ولم يحدث أن إلتقيته إلا وطلبت منه أداءها. والأداء في اليوتيوب أعلاه أستقيته من خونا برعيتا بكسراته وقفلاته وحذف حرف دلث من دوئنيخ الأولية حيث كان يقول أنه يؤثر على الوزن رغم أنني ابقيته في البيت الأخير. ومما يروى عنه – رحمه الله – انه كان يصعد إلى دير ربان هرمز في مستهل شاوعا دقودش عيتا منكل سنة طقسية ومن هناك يرتل هذه الأنشودة ويقال أن الرهبان في دير السيدة وبعض أهالي القوش كان بإمكانهم سماع صوته الذي كان يزلل جبل ربان هرمز. ما علاقة مصير شعبنا بهذه الإنشودة هناك علاقة مصيرية. الأمة التي لا تكترث لتراثها ولغتها وشعرها وأدبها وموسيقاها التي تميزها عن بقية الأمم أمة إنسلخت عن جلدها وأمة ميتة لا محالة. نحن بإسمائنا ومذاهبنا المختلفة إنصهرنا في بودقه اللغة والتراث والتاريخ المشترك الذي يجمعنا والذي يشكل هويتنا. مكانة هذه الانشودة وغيرها بالمئات بمقدار مكانة الفلكلور الغنائي الشعبي لدى العربي والكردي والفارسي والإيراني والإنكليزي وغيرهم من الأمم. هؤلاء لا ينشدون تراثهم إلا بلغتهم القومية ويرون إستبداله بلغة أخرى خيانة عظمى. تصور الأكراد يلقنون شعبهم سالحو بالعربية او العرب يلقنون شعبهم جي مالي والي بالإنكليزية.والذي يفعل ذلك في صفوف شعبنا كائن من كان فإنه يقترف الخيانة العظمى ضد واحد من أرقى شعوب الدنيا.