القراءات: 1206
2041-08-00
تعقيب على طروحات المطران لويس ساكو حول التراث والكنيسة الكلدانية وحوار الأديان
توطئة أتحفنا الزميل يوحنا بيداويد بمقابلة مهمة مع المطران لويس ساكو (رابط 1). وقد قرأت المقابلة أكثر من مرة. وقبل أن أبدأ في التعقيب على بعض النقاط المهمة التي أثيرت فيها، اود التعبير عن إعجابي وشكري وتقديري في آن واحد بالطروحات التي أتي بها المطران ساكو. وشخصيا فإن أخر كتاب قرأته للمطران كان حوارات مسيحية إسلامية: مقاربات لاهوتية بالعربية في عصر الخلافة العباسي . ويجب أن أعترف مقدما أن الكتاب فتح عيوني للمضي قدما في الدراسة والبحث عن الحوارات التي أجراها أجدادنا النساطرة من كنيسة المشرق مع إخوانهم المسلمين. والذي يقرأ الكتاب بتمعن يرى كيف أن أجدادنا النساطرة أداروا حوارا لا نظير له حتى في عالم اليوم مع الأديان الأخرى أسسه روح الإنجيل التي تتمثل بالمحبة والتسامح والعطاء والغفران وقبول الأخر كما هو وليس كما أريده أنا. والكتاب هذا دفعني لا بل أزرني أن أمضي قدما كأكاديمي ومسيحي مشرقي سليل الجثالقة والمفكرين النساطرة العظام من أبناء كنيسة المشرق في تدشين ما يراه البعض أنه نموذج مختلف من الحوار الحضاري والديني مع إخواننا المسلمين أسسه تنبع من رسالة الإنجيل التي ترى في الإنسان قيمة إلهية – المسيح حسب المفهوم المسيحي هو الله ولكنه صار بشرا – بغض النظر عن دينه ولونه ومذهبه وعرقيته وجغرافيته. وكون الإنسان قيمة إلهية علينا جميعا كبشر ان نعترف بالأخر ونقبله كما هو وننظر بصورة متساوية إلى أدياننا ومذاهبنا وأسمائنا وعرقيتنا وغيرها من عناوين الخلافات التي تقض مضاجعنا اليوم. فشكرا لك يا مطارننا العزيز. وسأقسم مقالي هذا إلى ابواب ثلاثة يخص كل واحد منها أحد المفاهيم المهمة التي وردت في اللقاء وهي نظرة المطران إلى الأخر والحوار معه والنطرة إلى التراث وأخيرا الموقف من مؤسسة الكنيسة الكلدانية. أمور في غاية الأهمية أن يقول أسقف مشرقي كاثوليكي انا اسقف للمسيحي والمسلم ولغيرهما هذا القول في رأي لا ياتي إلا من شخص قد إستوعب رسالة السماء التي أتى بها المسيح وهضم تراث وفلسفة كنيستنا المشرقية في الحوار واللقاء مع الأخر. لا نريد أن نقارن او نقارب لأننا سنكون أمام صدمة كبيرة ولكن لو عمل كل قادة شعبنا – الكنسيون والعلمانيون - بهذا المفهوم التسامحي لما كان بعضنا حتى اليوم - ونحن كلنا مسيحيون – يكفر ويهرطق الأخر وكأننا في اوروبا القرون الوسطى وكم يحزنني أن تكون نقطة إنطلاق خطاب الهرطقة وإقصاء الأخر أبرشية تحمل إسم كنيسة المشرق الكلدانية. لو ان كل أسقف من كنائسنا المختلفة قال أنه اسقف الكل – الكدان والأشوريين والسريان – لتوحدنا وقبلنا بعضنا البعض كما يفعل المطران ساكو في ابرشيته الصغيرة في كركوك. ولو قال شيوخ وائمة المسلمين أنهم شيوخ وائمة السنة والشيعة والمسيحيين وغيرهم لما رأينا كل هذه الدماء البريئة تسيل في العراق وأمصار العرب والمسلمين. ولو وضعنا مفهوم المطران ساكو حول التسمية التي صارت بالنسة للبعض وكأنها كل شيء حتى على حساب خسارة وجودنا وهويتنا لا بل ديننا لما رأينا كل هذه المهاترات والصراعات التي زادت في تشتيتنا وشرذمتنا. لو كنا قد صرفنا الجهد والوقت الذي بذلناه في الصراع على التسمية على إحياء لغتنا القومية وتحديث وعصرنة تراثنا وثقافتنا وأدبنا وعلومنا وعمارتنا وريازتنا وأثارنا وعلمائنا وقديسينا وطقوسنا لكنا في وضع أفضل بكثير من الوضع الذي نحن فيه الأن. الموقف من التراث ما ورد على لسان المطران بخصوص التراث هو الذي يجب ان يحصل. ولكن إن نظرنا إلى الواقع لا سيما فيما يخص كنيسة المشرق الكلدانية لرأينا ان العكس هو الذي حصل. التراث تحملة وتستوعبه اللغة القومية. اللغة هي الوعاء الذي يحفظ لأي أمة تراثها وشعرها وأدبها وطقوسها وأناشيدها وسير علمائها وكتابات وأفكار وفلسفات علمائها وملافنتها. وهكذا ترى الأطفال في المدارس والتلاميذ في الثانويات والجامعات ينشدون ويحفظون ويقراؤن تراثهم كل بلغته. هذا ما يفعله الكردي اليوم والتركي والإيراني وأي شعب حي أخر. الشعب الذي لا يستطيع قراءة تراثه وبلغته القومية شعب ميت لا حياة ولا نفس له. كم منا يحفظ بيت شعر واحد لشعرائنا الكبار؟ كم منا يحفظ إسما او إسمين لكتابنا وشعرائنا وعلمائنا الكبار؟ وهناك العشرات والعشرات من الأسئلة التي بإمكاني إثارتها وكلها تدل أننا صرنا شعبا وكأن لا تراث لنا. جل ما نعرفه هو أسماء أشورية وكلدانية قديمة حفظناها من العهد القديم او الكتب المدرسية وهذه لا علاقة لغوية وتراثية وأدبية وثقافية ووجدانية لنا معها. أليست هذه كارثة تراثية؟ ما حدث لشعبنا وأسبابه كثيرة وبعضها ليس خافيا نكسة تراثية لا سيما لدى المكون الكلداني منه. اللغة لقومية لا نحبها ولا ننشد بها ولا نتغنى بها ولا نكتب بها ونحارب كل من يدرسها ويحاول المحافظة عليها ونهمش كل من يريد إحياء تراثها وأناشيدها وطقوسها. فعن أي تراث نتحدث إذا؟ لا يغير اي شعب حي بإسم العصرنة والحداثة لغته. نحن لم نغيرها فقط بل ألغينا تراثنا ولغتنا تقريبا. كل مكونات الشعب العراقي غير العربية رفعت عن كاهلها نير التعريب بعد سقوط نظام صدام حسين إلا نحن الكلدان. نحن لم نقبل صاغرين ودون مقاومة على الإطلاق التعريب في زمان الطاغية بل لا زلنا متشبثين به وكأن لا تراث خاص بنا. هل هناك صف واحد لنا نحن الكلدان يدرس اللغة القومية؟ الحداثة والعصرنة لا تلغي بل تحيي وتقدم القديم بصورة أشوق وتحببه للجيل الجديد كي يبقى متشبثا بالتراث وهذا ما تفعله كل الأمم الحية. أين موقعنا من هذه الخارطة الإنسانية نحن الكلدان؟ الكنيسة الكلدانية وصف المطران لما تمر به كنيسة المشرق الكلدانية بأزمة شديدة وصف دقيق للغاية ويشعر به كل غيور على هذه الكنيسة من أبنائها. وكوني شخصيا عضو في هذه الكنيسة وإنطلاقا من مقولة المطران ساكو ان كلنا شركاء في الكنيسة وليس رجال الدين فقط فإنني أرى ان الأزمة التي تمر بها هذه الكنيسة من الناحية المؤسساتية والتنظييمة والطقسية والتراثية واللغوية وغيرها من الحدة إلى درجة أنني أخشى أن الغيبوبة التي تمر بها غيبوبة سريرية لا شفاء لها، مع إحترامي الشديد للتفاؤل الذي يحمله المطران ساكو من أن سنودسا ما قد يعيد إليها حيويتها. وهنا أنا أتحدث عن الكنيسة كمؤسسة وليس رسالة السماء. المؤسسة تعني التنظيم والشفافية والإستقلالية وإحترام الهرمية وإحترام الذين يقبعون في راس الهرم للقاعدة والتفاعل الإيجابي بين الأثنين. والتحدث عن المؤسساتية في الكنيسة الكلدانية حديث ذو شجون وقد يثير حفيظة الذين لا يميزون بين رسالة السماء والمؤسسة والذين لا زالوا يتصورون أن إنتقاد ممارسات رجال الدين معناه إنتقاد الإنجيل وهذا ليس صحيح. الأسباب التي ذكرها المطران عن الأزمة التي تمر به كنيستنا صحيحة جدا ولكنني اود أن أضيف اسباب أخرى لا تقل أهمية عنها. أحد الأسباب الأساسية للنكسة التي منيت بها الكنيسة الكلدانية هي فقدان الإستقلالية المؤسساتية، بمعنى أخر هذه المؤسسة لا تستطيع اليوم إتخاذ أي قرار دون الإتكاء على الفاتيكان وإن حدث وإن إتخذت قرارا فلا من مطيع ولا من مجيب. نحن نشترك مع الفاتيكان في عقيدة واحدة ولكن لماذا رمينا كل بيضنا – مؤسساتيا – في سلته وهو واحد من أكبر المؤسسات في العالم والفاتيكان ذاته اليوم يعاني من أزمة مؤسساتية شديدة من خلال ما يتم تسريبه من وثائق سرية أطلق عليها فاتيليكس وتشير إلى فساد ومحسوبية ورشاوي وغيرها من الممارسات المؤسساتية التي يرقى بعضها إلى ما تقوم به المافيات الإيطالية، حسب ما تقوله الصحافة العالمية. مؤسسة الفاتيكان من الكبر والعظمة ما لا يمنحها فرصة للتفكير في مصالح بضعة عشرات الالاف من الكلدان الكاثوليك. وعندما تنهال عليها الشكاوي من قبل الأكليروس الكداني والعلمانيين تتخذ قررات قد لا تكون صائبة منها إلغاء نتائج إنتخابات نزيهة أجرتها مؤسسة الكنيسة الكلدانية وحدث بعدها ما حدث. لا أظن على الإطلاق أن اجدادنا النساطرة عندما ذهبوا صوب الفاتيكان وقبلو سلطته العقائدية كان من ظمن خططهم فقدان إستقلاليتهم المؤسساتية ولكنهم فوجئوا بأن المؤسسة الفاتيكانية تريد أن تسيطر على كل شيء وعندما قاوم بعض بطاركتنا – لم يقاوموا العقيدة قاوموا قرارات مؤسساتية مجحفة – هُددوا بالحرمان. وهذا مثبت في وثائق تاريخية وكنسية. وهكذا خسرنا مؤسساتيا كل شيء. خسرنا الهند وخسرنا كل الأصقاع التي كانت تابعة لكنيستنا وخسرنا لغتنا وخسرنا طقسنا وتراثنا وفرضت علينا الالتنة شئنا أم ابنيا وفرضت علينا تساعيات وأشهر وكشافات لاتينية وغيرها من الممارسات وقبلناها على حساب تراثنا الكنسي الذي إن لم يكن أكثر ثراءا من التراث اللاتيني فإنه مساو له. وتركنا الكثيرمن الممارسات المهمة مثل زواج الكهنة والتي صارت اليوم مطلبا ملحا في أوروبا يقودها في حملة تصل إلى العصيان على الفاتيكان مئات الكهنة في النمسا ولا أظن أن سيادة المطران ليس على علم بها. وفي مسألة زواج الكهنة أشد على يديه لأنه من المطارنة المشرقيين الكاثوليك القلائل الذي منح الدرجة الكهنوتية لشمامسة متزوجين كما كان يفعل اجدادنا الأساقفة من النساطرة وكما يفعل أشقاؤنا اليوم من الأشوريين الذي بقيوا على هذا المذهب. وأنا صريح في كتاباتي إلى درجة أن صراحتي قد تجلب لي بعض المتاعب وإنطلاقا من هذه الصراحة أريد أن اوجه سؤلا إلى كل الكدان الأكليروس والعلمانيين. وإثارة اسئلة محددة أمر لا بد منه في أي كتابة رصينة تريد التواصل مع القارىء والوصول إلى الحقيقة. الكل يعلم اليوم ان الفاتيكان ذاته إعترف مؤخرا ان عقيدة أجدانا النساطرة كانت عقيدة سليمة وان الخلاف كان إداريا ولفظيا وثقافيا وليس إيمانيا. بمعنى أخر أن ما كان عليه أجدادنا النساطرة من إيمان وما هم عليه من بقي منهم على هذا المذهب لا غبار عليه من الناحية العقائدية. إن كانت عقيدتنا النسطورية السابقة سليمة إيمانيا – وهي كذلك – فما الذي جنيناه من التحالف مع الفاتيكان غير خسارتنا لإستقلاليتنا المؤسساتية والتي بسببها أضعنا الهند وكل تواجد لنا في أصقاع كثيرة أخرى من العالم وأضعنا تقريبا كل تراثنا الكنسي الذي لا مثيل له في تاريخ المسيحية في العالم واليوم تم تقليص السلطة المؤسساتية لجثاليقنا – التي كانت تمتد إلى أصقاع الدنيا يوم إتصالنا مع الفاتيكان – بحيث لا تتجاوز القلاية التي يسكنها في بغداد؟ واليوم بإستطاعة أي كاهن او مطران له علاقات محددة مع الفاتيكان عمل أي شيء بغض النظر إن كان ذلك ضمن التنظيم المؤسساتي لكنيسة المشرق الكلدانية ام لا. وهكذا ظهرت الطقوس واللغات والأناشيد والروزنامات والكراريس وبالعشرات وربما بقدرعدد الكهنة والمطارين وصار تقريبا الكل يتصرف وكأنه في حارة كل من إيدو إلو . نعم كنيستنا الكلدانية تمر بغيبوبة شديدة أخش انها لن تفيق منها. رابط 1 http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=582755.msg5637340#msg5637340