القراءات: 187
0000-00-00
هل سنشهد قريبا بوادر نهضة كلدانية حقيقية؟
تحدثت كثيرا عن النهضة ومقوماتها ودخلت في سجال مع زملائي من الكتاب الكلدان حول مفهوم النهضة. النهضة الحقيقية تستند على أسس علمية وتاريخية ولغوية رصينة وحسب وجهة نظري فإننا نحن الكلدان في تراجع منذ عقود ولم نخسر لغتنا وتراثنا على حساب التعريب وبالمجان بل مناطق شاسعة في العالم كان لوجودنا فيها كأمة تأثير كبير في الماضي القريب. ما الحل إذا السؤال الذي يدور الآن على شفاه كل كلداني هو: ما الحل إذا وكيف ننهض؟ الجواب بسيط جدا وقد قدم لنا معهد شمعون الصفا الكهنوتي لبطيركيتنا الكلدانية نموذجا رائعا لما يجب أن تكون عليه نهضتنا. نهضتنا لا تتم إلا بالعودة إلى جذورنا المستمدة من إرثنا الكتابي الذي ما زلنا نتدفأ به والذي إحتوته لغتنا السريانية الجميلة. وقد لاحظت بادرة طيبة في هذا الاتجاه من قبل تلامذة المعهد بقيادة رئسهم الجليل الأب فادي القس ليون. هؤلاء التلاميذ قادة كنيستنا المشرقية الكلدانية في المستقبل قاموا بعمل جبار. قد يروه هم عملا عاديا ولكنه عمل هائل بكل المقاييس. لأول مرة يقوم معهد تابع لكنيستنا المشرقية الكلدانية بتسجيل ألحان من طقسنا بأسلوب علمي وأداء رائع. ترتيلتان ادى هؤلاء التلاميذ ترتيلتين رائعتين من طقس كنيستنا المشرقية الكلدانية. في النموذجين من الفيديو كليب ادناه تراهم يمشون كالملائكة وهم يحملون كتاب الصلاة (الحوذرا) بأيديهم. وهاتان الترتيلتان من تراتيل عيد الميلاد لا تمثلان إلا جزءا يسيرا جدا مما خلفه لنا أجدادنا العظام من أناشيد بهية ضمن الجزء المخصص من الدورة الطقسية للإحتفال بعيد الميلاد يبدأ من سابوع البشارة (سوبارا) وحتى نهاية سابوع الدنح (دنحا): http://www.ishtartv.com/viewvideo,266,clip.html http://www.ishtartv.com/viewvideo,265,clip.html الترتيلة الأولى (تذمورتا ربثا دبأيا لالاها) عمرها في أقل تقدير ربما أكثر من 1500 سنة. وهي، بحدود معرفتي الموسيقية كهاو وعازف للكمان، من أقدم وأروع ما خلفته البشرية من فلكلور غنائي مبني على مقام سيكا قصير. والترتيلة الثانية (شوحا لهاو دبرقن) من المداريش التي هي بمثابة– حسب علمي المتواضع – بستة لمقام. والمقام هنا بيات وإن كانت القفلة على الري فإنه يقفل مرة على الري وأخرى على الفا. أنظر العظمة. متى نعود إلى لغتنا وتراثنا وطقسنا متى تعود كنائسنا وأبرشياتنا إلى طقسنا الذي لم تلد المسيحية مثله؟ متى تعود جوقاتنا إلى إنشاد هذه التراتيل بدلا من التراتيل العربية الركيكة المعنى والباهتة اللحن وهي أساسا ليست من تراثنا وثقافتنا ولغتنا – إنها دخيلة بكل ما للكلمة من معنى؟ ومتى يوقف أساقفتنا الزحف الهائل لا بل غزو التعريب والألتنة– من اللاتينية –لكنيستنا؟ ومتى يفتخر الكل – الأساقفة والكهنة والشمامسة والجوقات والكلدان كلهم– بهذا التراث المشرقي لكنسيتنا ويغادروا كل ما لا صلة له بتراثنا؟ ومتى يتوقف كهنتنا عن تأليف كراريس خاصة بهم إلى درجة أن صار لكل كاهن كراسه الخاص وترجمته الخاصة للعربية يتشبث بها حتى في دول المهجر. أمور غير مقبولة وكثير من هذه الكراريس والترجمات فيها أخطاء جمة لا يقبلها أي مطلع على إرث كنيستنا الطقسي واللغوي ناهيك عن انها غير قانونية لأنها لا تحمل ختم القلاية البطريركية او السنودس. ووصل الأمر بالبعض إلى ترجمة حتى بعض العونياثا (الحان) المكتوبة بوزن شعري خاص إلى العربية وفرضها بركاكتها اللغوية وترجمتها غير الدقيقة وأخطائها الكثيرة. وأخر شيء سمج وغير مقبول البتة سمعته كان في عيد الدنح حيث ترجم أحد الكهنة من عندياته نصا بالسريانية دون موافقة أحد او مراجعة مسؤول الشؤون الطقسية في كنيستنا وفيه وضع المرادف العربي سيادتك مقابل الكلمة السريانية ماروثاخ ، وهي من الأسماء الحسنى التي يطلقها طقسنا على المسيح وهو الله وابن الله حسب المفهوم المسيحي. فتصور كاهنا كلدانيا – أستغفر الله –يخاطب الله والمسيح ب سيادتك . وأخر تقليعة هي الترجمة الركيكة جدا إلى اللغة المحكية (السورث). الترجمة إلى لغتنا السريانية المحكية مهمة في كثير من الأحيان ولكن يجب أن لا تتم إلا على يد أخصائيين. ولهذا كم كانت دهشتي كبيرة عندما ترجم أحد الكهنة العبارة السريانية مريا حسّا حطاهى وسخلواثا دعوديك إلى مريا محاسي حطاهى ونزنواثا دعوديك وفرضها على الكل دون وجه حق.علما أن نزنواثا ، ليست سريانية بل كلمة كردية لا يفقه معناها إلا من يتقن الكردية. كيف يتم ذلك وكيف نسمح أن يحدث ذلك في كنائسنا؟ يحدث كل هذا لفقدان المركزية وأي مفهوم بأننا نتبع مؤسسة لها كيانها الخاص بها لا يجوز لأي كان التلاعب به. تغير المذهب لم يشترط مغادرة اللغة والتراث عندما غير بعض اجدادنا المذهب (او قل في سبيل المحاججة عادوا إلى الصواب، كما يود البعض سماعه، رغم أن الصواب عند الله فقط الذي هو خالق وضابط الكل) لم يغيروا التراث والطقس واللغة والتاريخ والأناشيد والتراتيل. الحفاظ على اللغة والتراث والطقس هو النهضة الحقيقية بعينها. لماذا، لأن الكتاب الذي يرفعه التلاميذ ويقرأونه والطقس الذي ينشدونه في الفيديو كليب أعلاه هو ذات الكتاب بأحرفة وبفوارزه ونقاطه الذي يحمله أشقاؤنا في كنيسة المشرق بفرعيها الأشوري والقديم. وهو متشابه إلى حد كبير مع ما لدى أشقائنا من كنائسنا السريانية. هذا الطقس وكل ما نملكه من تراث كتابي وما يحتويه من علماء وملافنة وشهداء وقديسين وقديسات وجامعات ومدارس وعلم وأدب وشعر وثقافة وسير وقصص نملكه سوية كشركاء متساوي الحقوق والواجبات ولا يحق لأي إسم او مذهب أن يدعي أنه يعود له فقط. هو ملكنا جميعا. النهضة خيمة تجمع الكل إن أردنا نحن الكلدان النهوض فالطريق سالكة أساسها التراث واللغة والثقافة التي نشترك فيها مع بقية مكونات شعبنا. القول إن اللغة لا تستجيب لمتطلبات العصر قول باطل. السريانية من أكثر لغات العالم إستجابة لمتطلبات العصر. القول إننا لا نفهم اللغة الطقسية قول باطل أيضا. من منا يفهم دخلة مقام الحسيني والتي هي ابيات شعرية للمتنبي وفيها حتى عبارات بالفارسية؟ ولكن لن يتخلى عنها العراقيون من العرب مهما طال الزمن. الناس تستذوق موسيقى هذه الألحان قبل الكلمات. لا أظن أن هناك شعبا في الدنيا تخلى عن لغته وتراثه وطقسه وثقافته بالسهولة التي تخلينا عنها نحن الكلدان. ولا أظن أن هناك شعبا قبل غزو لغوي وطقسي وثقافي أجنبي طواعية ودون مقاومة مثلنا نحن الكلدان. كنيستنا المشرقية رائدة المسيحية في الليتورجيا الألحان والتراتيل والمقامات التي في حوزة كنيسة المشرق الكلدانية لا مثيل لها وإن درسناها بإسهاب لربما تكون كنيستنا المشرقية الرائدة في المقامات والألحان الفلكلوية في الشرق والعالم. وإنني لأرى ان الكثير من المقامات والألحان التي يتباهى بها العراقيون من العرب، والأكراد والإيرانيون والأتراك تعود جذورها إلى ألحاننا الطقسية لأننا الأقدم دون منازع ولأننا الشعب الوحيد الذي حافظ على فلكلوره لمدة قد تزيد عن 1500 سنة دون إنقطاع. نحن الشعب الوحيد الذي وضع نظاما، رغم بساطته، للنوتا الموسيقية حيث مكنت الأجيال المتعاقبة إنشاد مئات ومئات وربما الالاف من الألحان بطريقة تكاد تكون متشابهه. وأجدادنا إستنبطوا هذه النوته حوالي الف سنة قبل أن تضع أوروبا مبادىء النوتة الموسيقية الحديثة. هذا إضافة إلى المحتوى والمعاني التي تعبر عنها كلمات هذه الألحان. ولا أظن أن أي من المختصين في الليتورجيا سيعارض القول أن ليتوجيتنا تبز كل ما لدى المسيحية بكافة طوائفها ومذاهبها في قيمتها اللاهوتية الفلسفية وإدراكها للمغزى الحقيقي لرسالة المسيح وأسلوبها الراقي والسامي ومعظمه شعر حر كتبه خيرة ملافنتنا وقديسينا. أي شعب في الدنيا يهمل هكذا تراث غيرنا؟ شكرا معهد شمعون الصفا إلى تلاميذ معهد شمعون الصفا الف والف شكر ونحن بإنتظار المزيد والمزيد من النشاطات التي من خلالها تعلموننا كيف تكون أسس النهضة الحقيقية لشعبنا. ونأمل من قناة عشتار وكل قنوات شعبنا أن تبث هذه الألحان بإستمرار وأملنا أن يعيد أساقفتنا النظر في موقفهم السلبي من لغتنا السريانية وطقسنا الكلداني. طلب مشروع نحن أبناء كنيسة المشرق الكلدانية لنا الحق كل الحق أن نطالب بالحفاظ على لغتنا وتراثنا وطقسنا وثقافتنا من الضياع لأن ضياعها ضياعنا ولنا كل الحق أن نقاوم أي محاولة لتهميش هذه اللغة وهذا الطقس وهذا التراث ومن أي مصدر أتت.