القراءات: 203
0000-00-00
بطريرك الموارنة في لبنان وبطريرك الكلدان في العراق وهواجس الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق
أثارت التصريحات التي أطلقها البطريرك الماروني في لبنان بشارة بطرس الراعي في زيارته الأخيرة لفرنسا جدلا كبيرا. لقد كانت تصريحات غاية في الأهمية ليس لأن قائلها ذو منزلة كبيرة وشأن كبير في لبنان والعالم بل لأنها أسست لخطاب جديد سيكون له أبعاد كبيرة على مسيرة العلاقة المسيحية-الإسلامية في الشرق الأوسط. تصريحات صاعقة وقعت تصريحات البطريرك الراعي كالصاعقة على رأس المسؤولين الغربيين وفي عقر دارهم. لم يتوقع الغربيون – لا سميا الفرنسيين والأمريكان ومعهم ربيبتهم إسرائيل – أن شخصية مسيحية بمقام البطريرك الراعي ستقف خصما لمشاريعهم الشرق أوسطية وترى إيجابيات في وجود المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وتدافع عن الحق الفلسطيني الضائع وتساند موقف النظام والحكومة في سوريا وتطالب بمنحهما فرصة من أجل الإصلاح وترى في السياسات الغربية صوب الشرق الأوسط خطرا على الوجود المسيحي. توقع الكثيرون أن يتراجع البطريرك او بأقل تقدير أن يقدم توضيحات لتصريحاته في باريس حال عودته إلى لبنان. لكن البطريرك الماروني صمد ولم يتنازل قيد أنملة بل زاد في تقاربه وتفهمه للوضع الحالي في لبنان والشرق الأوسط وقام بما لم يقم به أي بطريرك مشرقي في العصر الحديث بزيارت رعوية ليس للمسيحيين اللبنانيين بل شملت المسلمين السنة والشيعة في لبنان. بطريرك المسيحيين والمسلمين معا وأستقبله المسلمون، لا سيما الشيعة منهم، أحسن إستقبال فاق الترحيب الذي لقيه في زيارات لرعيته المسيحية. وفي هذه الزيارات أطلق تصريحات أخذت بالباب اللبنانيين ودشنت كتصريحاته الباريسية لعهد جديد من التقارب المسيحي الإسلامي مترجما لكثير من مفاهيم التسامح الإنجيلية على أرض الواقع. وأطلق حملة سماها المحبة والشراكة وأسس، إضافة إلى خطابه السياسي الذي لا يساير توجهات الغرب المسيحي، لخطاب لبناني داخلي صار بمثابة النبراس الذي يهتدي به اللبنانيون بمختلف طوائفهم من أجل التفاهم واللقاء بإستثناء الجماعات المسيحية والمسلمة من التي لا زالت تراهن على المنقذ الغربي ومشاريعه. المشاريع الغربية والمشاريع الغربية لم تأت إلا بالمأسي لمسيحيي المشرق. أنظر ماذا حل بمسيحيي فلسطين بعد قيام الغربيين بسلبها وإعطائها لليهود. اليوم لا يتجاوز عدد المسيحيين في كل فلسطين بضعة الاف بعد أن كانوا حولي 40% من السكان قبل التدخل الغربي. والعراق شاهد أخر ولبنان ذاته مثال حي لهذا التدخل وهناك خطرا كبيرا على الوجود المسيحي في سوريا كما يعتقد الراعي. سياسة الغرب الشرق أوسطية، بمؤسستيه الدينية والدنيوية، ليست مبنية على الأخلاق او المصالح المسيحية. إنها سياسة تنصب أولا وأخيرا في مصلحة وأمن إسرائيل. أقوال حكيمة وهذا ما قاله البطريرك الراعي في زيارته لجنوب لبنان حيث تقطن غالبية شيعية: ما أجمل المسيحية والإسلام إذا إجتمعا ... هذا الصليب والهلال لن ينفصلا في بناء مجتمع واحد متوازن وهذه هي الأعجوبة الكبرى في بناء البشر. وأضاف: لا معنى لوجودنا من دون المسلمين والعكس صحيح ... لا تخافوا من الألم ومن صعوبات الحياة المشتركة ... ولا العنف لأن الصليب هو الأقوى والهلال يطلع علينا كل يوم ... ما أجمل الصليب والهلال وما أجمل المسيحية والإسلام إذا إجتمعا. وعن رجل الدين الشيعي مؤسس المقاومة اللبناينة الذي إختفي في زيارة إلى ليبيا، قال: ... الإمام الصدر حي في أفكارنا وقلوبنا. بين الراعي والبطريرك الكلداني في العراق تذكرني هذه المواقف الشجاعة والجريئة بمواقف بطريرك الكلدان في العراق عمانوئيل دلي الذي، ومنذ الغزو الأمريكي والمأسي التي جلبها معه والعنف غير المسبوق الذي جرى بسب سيساته ما أنفك يدعو إلى الشراكة والمحبة في كل تصريحاته ومواقفه. وصار البطريرك دلي كما البطريرك الراعي في لبنان بطريرك الكل في العراق، مسيحيين ومسلمين. إنه اليوم واحد من أكثر رجال الدين شعبية وتأثيرا في العراق درجة أن القوائم النيابية في البرلمان تحرص على زيارته بإستمرار لا سيما في الأعياد والمناسبات وأخيرا قام ممثلو الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بزيارة جماعية لقلايته في بغداد ونقرأ في الصحف المحلية أنه أكثر شخصية عراقية إستحقاقا لإقامة تمثال له في بغداد. ما أروعكما من شخصيتن بين الراعي ودلي كثير من سياسة الشراكة والمحبة مع إخواننا المسلمين لا سيما العرب منهم. الشراكة والمحبة تعني قبول الأخر والإعتراف به وبوجوده كإنسان ودينه وطائفته وكتبه. كم هو رائع البطريرك الراعي في توجهاته الجديدة لأننا نحن مسيحيي المشرق عانينا من التدخل الغربي في شؤون الشرق وشؤوننا أكثر مما عانيناه من إضطهاد أتانا على ايدي الأخرين. وكم كان البطريرك دلي رائعا عندما رفع نسخة القرأن التي قدمها له هدية بعض علماء المسلمين ووضعها عل جبينه وقبلها. بعض المتعصبين والطائفيين من المسيحيين - نفر من الكلدان - إستهجنوا تكريم البطريرك لكتاب المسلمين كما يستهجنون، لجهلهم وليس لعلمهم، كتاباتي عن اللقاء والشراكة والإعتراف المتبادل والمحبة بين الأديان والحضارات. هؤلاء الجهلة ينسون أننا نزداد مسيحية كلما قبلنا الأخر. اساس المسيحية الشراكة والمحبة التي لا يحددها دين أو جنس او مذهب. ولنقل مع الراعي جميعا: ما أجمل المسيحية والإسلام إذا إجتمعا.