القراءات: 298
0000-00-00
الزواج ومشاكله في الشعر الشعبي والتراث الموصلّي !!
منذُ بدأ الخليقة إبتدأت المشاكل في أولِ وأجملِ علاقة ربطت الرجل بالمرأةِ ، وعلى الرغمِ من أنّ هذهِ العلاقة قد تمّ تتويجها برابطة الزواج المحكوم والمُبارك بالقوانينِ الإلهية وكذلك القوانين الوضعية والأعراف الإجتماعية التي نظمت هذا الأمر ، إلا أنّ تلكَ الأعراف وثقلها على كاهلِ المُجتمعِ بمواطنيهِ خلقت في بعضِ الأحيانِ نوعاً آخراً من المشاكلِ التي قد تصاحب هذا الإرتباط المُقدّس وقد تصل الى الحد الذي تنتهي فيه تلك العلاقة بمآسٍ كثيرةٍ . وفي مجتمعٍ كمُجتمعِ الموصلِ المحكوم بالتقاليدِ والأعرافِ الإجتماعيةِ الدقيقةِ يحتاجُ قرار الزواج فيه الى تحضيراتٍ كثيرةٍ بدءاً باللحظاتِ الأولى لهذا القرار وإنتهاءاً بالأسابيعِ القليلةِ التي تليه ، كما وإنّ الإرتباط الأسَري المَتين الذي يربط أفراد العائلة الموصلّية مع بعضهم البعض وخاصة بين الأم وأبناءها خلقَ نوعاً آخراً من المشاكلِ التي قد تظهر بعد الزواج نتيجة إختلاف الآراء والمعيشة الأسَرية بين مُثلث الفرقاء الأزلي ( والدة الزوج - الزوجة - والدة الزوجة ) !!! وهذا الإختلاف ربّما لا تختص بهِ مدينة عن سواها أو بلدٍ عن آخرٍ ، لكن قد يظهر بشكلٍ واضحٍ وجلي في بعضِ المُجتمعاتِ أكثر من غيرها ، ولهذا نرى المبدعون من الشعراء والكتّاب والأدباء والفنانين في الموصلِ يحاولون دائماً التطرق الى هذه الظاهرة لمعالجتها وإنتقاد مساوئها وتأثيرها على ترابط العائلة وسعادتها ‘ حيثُ أصبحت بعض الأغاني الموصلّية ذات العلاقة جزءاً لا يتجزأ من الفلكلورِ الشعبي الموصلّي وتقليد لا يُمكن تجاهلهُ في مناسبات الزواج ، إذ يسبق المحتفلون هذه المشاكل بترديدهم لتلك الأغاني الشعبية والتي تتطرق الى المشاكل أو العلاقة بين ( الحمي ) و ( الكنّي ) بشكلٍ مباشرٍ أم غير مباشر ومنها على سبيلِ المثالِ أغنية ( عفاك ـ ـ عفاك على فند العملتينو ـ ـ ـ الخ . وبالطبع فقد أنعشت هذه الظاهرة ذاكرة ومخيلة االمُبدع المرحوم الأستاذ يقين إيليا الأسود ليسطّر لنا منلوجاً أو شعراً شعبياً ناقداً وساخراً لتلك المشاكل وداعياً الفرقاء الى تحكيمِ العقل والمنطق لتجاوزها ، حيثُ الّفَ أبياتاً من شعرهِ التالي عن الزواج في 24-9-1946م في كرمليس مخاطباً الجميع : ما خوش عادي يا عيوني ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ أرجوكم أسمعوني طلعت هَسّع مودة ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ علكنّي وزوجا سودة أنشد هذي الأنشودة ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ أحلّفكم طيعوني كوي من ليلة الحنّي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ تصيغ هوسة عد الكنّي الختنْ ما يكون متهنّي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وإذا كذبتُ عاتبوني أم العغوص تدردمْ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وأم الختنْ تهردمْ وإختو علصحبي تشمشم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ هلْ حيّالي اللعيني أبونو ما يطيق يحكي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وأبوها بس يتكّي والختنْ كنّو دَكي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ والمسكين كنّو بزّوني أم العغوص تتحاسب ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ على كمْ مثقال ذهبْ أمو هَمّي تِتعاتب ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ تقول دادا لا تواخذوني لَكَن وين خِلْعِتْ إختو ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وخِلْعِتْ عمتو وستو(1( طلعْ مسخمنْ بَختو ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ عِميتْ عَلينو عيوني لِمَيّي تعَيّط وتصيح ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وتندبْ سيدنا المسيحْ وتصرّح هذا التصريح ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وتقول كنخدعوني بنتي زغيغي وهو كبيغ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وإحنا شطـّاغ وأهلو حميغ تهوّس وبيدا الكفكيغ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وتقول قوموا خلصوني أم الختنْ تهوّس ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ تسبْ وتعنفصْ وتدفـّس ومن قهغو الختنْ يحمسْ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ويقول ليش زوجتوني الحَمي وبنتا ينهزمونْ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وحالاً علبيتْ يرجَعونْ والختنْ بيدو الجاكونْ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ويقول لَهْلو سيبوني إتقوم لك الدعاوي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وتظهر كل المساوي وعلى الطرفين بلاوي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ قوموا دغشع كذبوني دايم هل شي يتكرر ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ وبهلْ زمانْ قام يكثغْ وعيشة العائلة تتكدغ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ مبور الذهبْ والزيني أنصحْ شباب الحاضغين ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ لا يدوغون علزنكينين بسْ يكونون متفقينْ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ مع زوجاتم يا عيوني من الملاحظِ في بعض الأبيات الشعرية الشعبية أعلاه تحررها من القيود النمطية ( الرسمية ) في طريقة التخاطب وهذا هو الحال في الشعر الشعبي ، إذ يتمّ التخاطب فيه باللغة المتداولة في الشارع من العامة والتي تتميز بطابعها العفوي الجميل ، رحم الله المُبدع الموصلّي يقين إيليا الأسود ، إذ تصادف ذكرى رحيله الى دار الحق في التاسع من أيار من كل سنة ، حيثُ ترك لنا أرثاً تجاوزَ الأربعون قصيدة ( شعر شعبي ) والتي يعالج فيها بأسلوبه النقدي والساخر بعض الظواهر الإجتماعية ، كما وترك أكثر من خمسة مسرحيات ( روايات )(2) والعديد من المقالات التراثية والأعمال الأدبية الأخرى والتي نُشرَ قِسمٌ منها في بعضِ الصحفِ والمجلاّتِ التراثيةِ ، أمّا القسم الأعظم منها فلم يرى النور بعد . وأنتهز الذكرى الثامنة لوفاته لأبعث من خلال هذه المقالة وبالنيابةِ عن جميع أفراد أسرته بصفتي إبنه الكبير بكلماتِ الشكرِ والتقديرِ لجميعِ الأساتذةِ الأفاضلِ من المعنيين بالتراثِ والأدبِ والى كافةِ القارئاتِ والقرّاءِ الكرامِ على تداخلاتهم ورسائلهم التي أرسلوها لي على المواقع أو من خلال بريدي الألكتروني وعبروا فيها بكلمات الود والإعجاب لأعمال الوالد رحمه الله عن وفائهم لبلدتهم وبلدهم من خلال إستذكار المبدعين الذين غادرونا آمنين ، وبهذه المناسبة أيضاً أحب التنويه الى الإيميل الذي وردني من الدكتور ضياء بطرس يوسف ( إبن أخت الإستاذ يقين بصلة النسب ) والذي يُذكّرني فيه مشكوراً بمواهبٍ أخرى للوالد رحمه الله كالخط والتحنيط ( كنتُ قد ذكرتهما من ضمن هواياته في سيرة حياته ) حيثُ كان قد قرأ مقالتي عن سيرة حياة المرحوم خاله يقين الأسود ، وسأحاول مستقبلاً نشر المزيد من أعمالهِ نزولاً عند رغبة محبي التراث وموثقيه ، كما سأحاول نشر نتاجات قسم آخر من مبدعينا إستكمالاً لِما نشرته سابقاً عنهم ومنهم المؤرخ الجليل جورج البنّاء أطال الله في عمره والذي أطلقت عليه الصحافة العراقية لقب ( إبن بطوطة العراق ) لكثرة أسفاره ومؤلف كتابي ( تاريخ الكلدان ) و( سلسلة بطاركة الكلدان ) !! وكذلك نعوم فتح الله السحّار رحمه الله مؤلف ( رواية لطيف وخوشابا ) وهي أول مسرحية ( تُطبع وتُنشر ) في العراق سنة 1893م وغيرهم من روادنا الأجلاّء الذين أثروا بإبداعاتهم تراث بلدتهم الموصل وبلدهم العراق(3) ، وحيثُ إنني في تواصل مع نُخبة طيبة من الجيل الثاني من الروّاد ممن هم على قيد الحياة أطال الله في أعمارهم راغباً في توثيق المزيد من أعمالهم وإبداعاتهم . الهوامش : (1) وردت في بعضِ أبياتِ هذا الشعر بعض الكلمات التي تُستخدم في اللهجةِ الموصلّيةِ ومنها الهجينة أوالمُكتسبة من لغاتٍ ربما تركيةٍ أو فارسيةٍ ولأسبابٍ معروفةٍ لا مجال لِذكرها في هذه المقالة والبعض الآخر منها مُستعملة ومشتقة من اللغة العربية الفصحى ولكن حُوِّرت مع مرور الزمن لسهولةِ التخاطبِ بها باللهجةِ العاميّةِ ، وسأورد بعضها لتسهيل الأمر على بعض القرّاء الكرام من غير الموصلّيين : خوش : بمعنى ( جيد ( هسّع : بمعنى ( الآن ( كوي : تأتي هنا بمعنى ( من لحظة ( عد : بمعنى ( عند ( علصحبي : أي على ( المشكلة أو القضية ( خلعت ( خلعة ) : هي الهدية التي تُقَدَم من أهل العروس الى قريبات وأقارب العريس من الدرجة الأولى والثانية وحسب التقاليد الموصلّية ، وسُمّيت حسب ما أظن بـ ( الخلعة ) لأنها تكون قطعة قِماش أو شئ يُلبس و( يُخلع (ستو : بمعنى جدتّه ( أم والده أو والدته( مبور : بمعنى ( من أجل ( (2) كان روّادنا الأوائل يطلقون إسم ( الرواية ) على المسرحية ، وقد رغبتُ في نقل الصورة عن الأصل فأبقيت على تسميتهم للمسرحية بـ ( الرواية ) ، علماً بأنّ هنالك فرق كبير بين عناصر المسرحية والرواية لا مجال لذكرها الآن . (3) سبقا الشمّاس ( الكاهن فيما بعد ) حنّا حبش والخوري هرمز نرسو الكلداني المعلّم المرحوم نعوم فتح الله السحّار في مجال التأليف المسرحي ، وقد عَثرَ الأستاذ أحمد فيّاض المفرجي وزملائه في عام 1966م على مخطوطة تضم بعض النصوص المسرحية للشماس حنّا حبش ، ويؤكد د. عمر الطالب إنّ مخطوطة هذه المسرحيات هي الأن محفوظة في المؤسسة العامة للسينما والمسرح العراقية وإنهُ عُثِرَ على النص المطبوع لهذه المسرحيات في مكتبة الأب توما عزيز وقد طُبع في لبنان من قِبل الكنيسة الكلدانية ، وقد فُقِد هذا النص المطبوع وكذلك النص المطبوع لمسرحية الخوري هرمز نرسو الكلداني ( أي لا يمكن الإرتكاز عليهما كدليل على ريادية الطباعة والنشر للمسرحيات في العراق ) !! وذلك حسب ما جاء في تعقيب للدكتور الفاضل سعدي المالح في معرض ردّهِ على مقالة كُنتُ قد كتبتها في بعض المواقع الألكترونية حول ريادية طبع ونشر رواية لطيف وخوشابا ، وحيثُ أنّ د. سعدي لم يُبين بالدليل سنة طبع المخطوطة التي عَثرَ عليها د. أحمد المفرجي ( ربما تم طباعة المخطوطة حديثاً ) ، كذلك تعقيب الأخ الأستاذ الفاضل وليم يلدا حنّا البلوايا/كاليفورنيا والذي يصب في نفس الإتجاه وقد رددتُ على التعقيبين حينها بمقالة موضوعية وأكاديمية مطوّلة ، لِذا تبقى رواية لطيف وخوشابا هي الرائدة في مجال ( طبع ونشر ) المسرحيات العراقية وهذا ما أكّده الكاتب يوسف نمر ذياب في مقالته لطيف وخوشابا والمنشورة في جريدة العراق في الخامس من أيّار لسنة 1993م / العدد 5234/ص8 ، حيثُ ذكر بالنص أمّا أول نص مسرحي نشر في العراق فهو ( لطيف وخوشابا ) وعليه وجبَ التنويه .