القراءات: 310
0000-00-00
من موروثنا الشعبي مربتا دتلكا
مربتا دتلكا اسم سرياني مركب بمعنى مجرفة او مزيحة الثلج ، وهي أداة خشبية مثلثة الشكل لها مقبض يدوي كان الناس يستخدمونها لجرف الثلوج من على سطوح منازلهم بالمناطق الجبلية ، وتمتاز بخفة الوزن والطول والقوة وناعمة لكي لا تكشط أو تحفر السطح أثناء دفع الثلج،فالظروف القاسية كانت تفرض الكثير من الأعمال لحسن مواجهتها وتدبير شؤونها ، لان الاستمتاع بالجو البارد المنعش في المناطق الجبلية ربيعا وصيفا كانت ضريبته موفورة الدفع في الشتاء الثلجي القاسي وقلة الحركة خارج المنازل ، لذا فتلك الظروف الزمكانية كانت تلزم ساكنيها التأقلم وتوفير سبل المواجهة من جميع النواحي ، فجرافة الثلج أداة بسيطة المنظر والصنع لكن مهمتها في عز الشتاء جدا مهمة ولا يمكن الاستغناء عنها تحت أي طائل فكانت تصنع من مواد بسيطة متوفرة تحت اليد ( قطع وخيوط من الجلد أخشاب أو أضلاع لمثلث خشبة للمقبض بطول مترية ورزم من عصي الخيلاف الطرية ( الصفصاف) ففي البداية كانت تمرر رؤوس أضلاع المثلث في بعضها وإمرار خشبة المقبض عند تلاقي الضلعين إلى وسط الضلع الثالث وتثبيتها بإحكام جيد وكانت الخشبة الأمامية أثخن ( الدعامية ) بعدها تمرر عصا الخلاف وتجدل أفقيا بين الضلع الأيمن وخشبة المقبض والضلع الأيسر بحيث تتشكل لوحة مثلثة وتثبيت ذلك بواسطة الخيوط الجلدية ، وبعد الانتهاء منها كانت توضع تحت الشمس لكي تجف فتقوى أكثر ويخف وزنها ثم تضم إلى حيث مجيء أوانها في عز الشتاء وزمهريره عندئذ تسمى عند شعبنا الكلدوآشوري بـ ( مربتا دتلكا ) ولدى تراكم الثلوج كان يستعان بها لجرفه ليتساقط من على السطوح خشية من تراكمه عليها وسقوطها من جراء وزنه ، فكانت ( المربتا ) توضع فتلامس دعاميتها ارض السطح وتدفع للأمام فتكشط الثلج فيتصاعد على لوحها المثلث أو يتراكم أمامها فتحتاج إلى الهمة لدفعه نحو الأسفل ، وهكذا كانت السطوح تنظف لعدة مرات خلال اليوم الواحد لكثرة تساقطه بمناطق معينة ، فكانوا الشباب يصعدون عبر السلم وينزلون عبر الثلج المزاح والذي كان أحيانا يصل بمستوى السطح ويسد منافذ البيت ومخارجه ، لذا كان الرجال يتناوبون فيما بينهم من اجل تنظيف السطوح ، وإلا كانت تنهار عليهم وهم خائرين في أحلام نومهم الوردية فالحذر كان يدفعهم للسهر بجانب المدفئة الخشبية وإدامتها على الدوام وتناول المواد الحلوة الدهنية لتوفير السعرات الحرارية لمهمة الإزاحة وكم من بيوت محت من الوجود عن بكرتها نتيجة الإهمال والتقاعس خلال تلك الليالي الشتوية الطويلة ، وبمنطقة تياري الهكارية جنوب شرق تركيا ذات مرة رفع رجل مسن ظهره المقوس ووضع يده المرتجفة على جبينه ولمح نظره خاطفة إلى السماء وهز رأسه حزنا ، حيث كانت زرقاء داكنة فقال لأهل قريته ( الله يكون في عوننا فاحذروا فان هناك موجة من الثلوج آتية ويجب أن نتهيأ لها من الآن بكل الوسائل الممكنة )، لكن قلة من الناس أعاروه الاهتمام وآخرون اتهموه بالهذيان والخرافة لكبر سنه أما أهل داره فسمعوا له فقال هاتوا الثور المسمن واذبحوه واجعلوا من لحمه قلي وهيئوا الأخشاب وحظائر الحيوانات بالأعلاف وكل ما من شانه لسلامة البيت بما فيه .وفي المساء اخذ ت نتف الثلج تتساقط بكثافة فأمر العجوز بتعليق جرس في راس عصا ونصبها على السطح ليطلق أنينا لدى تلقيه الرياح الثلجية وأمر أولاده وأحفاده بالتناوب في جرف الثلج من على السطح وإبعاده عن مخارج البيت واكل القلية الساخنة والصعود إلى السطح كلما انقطع صوت الجرس ، حيث كانت إشارة بان مستوى ارتفاع الثلج وصل إليه وانغمر فيه لذا لا يسمع صوته عندئذ يجب أن يزاح وهكذا لعدة أيام ، بحيث انغمرت الكثير من البيوت تحت الثلوج وتهدمت على من فيها ، أما الذين اخذوا النصيحة محمل الجد فقد سلموا من جراء هذه الكارثة المروعة ... بدران امرايا Badran_omraia@yahoo.com