القراءات: 1690
2009-11-14
تعازينا بين التغيير في الإيقاع ومعرفة الحاجة قبل الدواء
تعازينا بين التغيير في الإيقاع ومعرفة الحاجة قبل الدواء عادات وتقاليد اكتسبها الآشوريون عبر الزمن منها ما ينسب إلى الموروث الحضاري الآشوري العريق ومنها ما ينسب إلى الموروث الكنسي المسيحي ومنها أيضا ما حل على أبناء هذا الشعب كضيف ثقيل يزيد ثقلا على كاهل أبناءه فوق ما تحملهم حياة اليوم من أعباء لتقف عائقا في طريق ازدهار وتطور الأمة ولنا في هذا الشأن ظواهر عدة اكتسحت مجتمعنا وأصبحت تمارس بشكل تلقائي دونما السؤال عنها وعن ما تعنيه وما تؤول إليه أنها ظواهر تنتظر من يسلط الضوء عليها ليتأملها إنسان الحاضر باحثاً عن ردود لتساؤلاته التي تحول حولها على أمل أن تكون تلك الردود شافية وتساعده في تحديد مواقفه تجاهها مستقبلاً... والتعازي ليست بالظاهرة الجديدة فهي ومن حيث المبدأ تصنف من الواجبات المقدسة ومراعاة للأصول الاجتماعية المتعارف عليها في حين إنها من حيث المضمون وتحديدا في بعض أجزاءها تظهر كتقاليد أكثر مما تكون واجباً يفترض بالإنسان تأديته وتضيف أحمالاً ثقيلة أكثر مما تزيح... وان كنا ننشد التغير من واقع مفروض بشكل يبدو لنا بأنه متعب ولكننا في الوقت ذاته بلا حول ولا قوة نعيشه ونمارسه سيكون الأجدر بنا هو أن ندعو الله ليفتح بصيرتنا وينورها فلابد من نشر الوعي فيما يخص هذا الواقع لنتمكن من معرفة الأوجه الايجابية فيه لنعززها ولمعرفة الأوجه السلبية المتعلقة به لنتداركها باحثين عن الأدوات المناسبة التي تمكننا من تغييرها فالتعازي التي تقام على أرواح أناس افتقدناهم من عالمنا فيها جوانب عديدة تستوقف المرء ليفكر في كيفية تحقيق الأفضل من تأديتها... لذا كان لنا هذا التقرير الذي يسلط الضوء على تعازي اليوم من مختلف جوانبها ويطرح أمام ضيوفه تساؤلات تلتمس من يجيب عليها بالأجوبة الشافية المدعومة بالبدائل النافعة وبالطريقة الوافية. فابقوا معنا: إن أول ما قد يفكر به الناس عند يقينهم من رحيل احد الأشخاص عنهم، هو الاتصال بالكاهن، لإخباره بالموضوع. ومن ثم نقل جثمان المتوفى إلى مبنى الكنيسة، لتأدية الطقوس الكنسية الخاصة. ومن هنا يمكننا اعتبار هذه الخطوة بأنها أولى الخطوات التي تفتتح بها التعازي. لذا كان لنا أن نسلط الضوء على الجانب الطقسي، وماهية تأدية هذه الطقوس بالأهمية البالغة، وما تعنيه في مضمونها للإنسان الراحل من جهة، وللإنسان الباقي من جهة أخرى. وعليه التقينا بالقس شاول يونان داود كاهن كنيسة مار كوركيس في مدينة دهوك، ليعلمنا بتفاصيل أكثر حول هذا الخصوص: بداية نتساءل ما الأهمية من ممارسة الطقوس الكنسية للمتوفى؟ عندما خلق الله الإنسان وضعه في مرتبة عالية ورفع من شانه فكما هو مكتوب فخلق الله الإنسان على صورته لذا عندما يموت الإنسان بحسب الجسد يكرم بدفنه ووفق طقوس معينة تختلف من دين لآخر وتتنوع بحسب تنوع المذاهب. ولكنيستنا كنيسة المشرق الآشورية طقوس خاصة تتم عبر مراحل تمتد لثلاثة أيام تكريما للإنسان المخلوق في أبهى صورة حتى إننا وبحسب إيماننا المسيحي لا يجوز أن نطلق عليه ميت بل منتقل لان لنا إيمان بان الإنسان المؤمن بالمسيح لديه رجاء القيامة وبالتالي يكون راقدا وليس ميتا منتقلاً من هذا العالم إلى العالم الآخر لحين يوم القيامة الذي سيتحدد فيه مصير كل إنسان راقد. هل لكم ان تستوضحوا للقراء الكرام التفاصيل المتعلقة بهذه الطقوس منذ يومها الأول ولحين نهايتها؟ بكل سرور ...اليوم الأول ( طكٌسًا دشيَغةًا ): ويقصد به غسل جثمان المنتقل بالماء الذي يباركه الكاهن بالصلاة عليه ويقوم بالغسل أشخاص لديهم الخبرة في القيام بمهمة كهذه وبحسب ما تمليه طقوس كنيستنا لان الغسل يتم وفق طرق خاصة فمثلاً إذا كان المنتقل صاحب رتبة كنسية عليا كأن يكون أسقفا أو مطرافوليطا أو باطريركا يغسل رأسه ويداه وقدماه فقط أما بقية أصحاب الرتب الكنسية وعامة الناس فيغسلون غسلا كاملاً وبالنسبة للشخص المقتول فانه لا يغسل لأنه بحسب معتقدنا قد أغتسل بدمه. وفي أثناء غسل جثمان المنتقل يؤدي الكهنة والشمامسة وجمع الناس المجتمعين في الكنيسة الصلوات التي من شانها أن تعزي الحاضرين بالرجاء الذي لنا في المسيح بأنه سيقيم الشخص الذي افتقدوه يوم القيامة... وحين الانتهاء من الصلوات يخرج المصلين ويكون غسل الجثمان قد انتهى أيضا فيوضع الجثمان عادة في أيامنا هذه داخل نعش يرمز بإشارة الصليب كعلامة يستدل منها بان هذا المتوفى إنسان مسيحي الإيمان وبعدها يحمل الرجال النعش من أطرافه الأربعة سائرين به إلى المقبرة ويتقدمهم الكهنة والشمامسة المنقسمين إلى فريقين لتأدية صلاة ما تسمى بحسب الطقس ( قًلًا داوٌرخًا ) ويخرج الجمع بمراسيم مهيبة متوجهين بالنعش ليوارى دفه في المقبرة وفي أيامنا هذه يختصر طقس قالا داورخا إذ يؤدى بشكل رمزي وذلك لبعد المقابر عن مبنى الكنيسة ولعدم إمكانية تأدية هذا الطقس وفقا لظاهرة التمدن بشكل عام. فيقل الناس السيارات وينتقلون إلى المقبرة وهناك عند الباب يؤدى طقس آخر يسمى بـ ( قًلًا دقوٌربًا مٌن قًصرًا ) وبدخول الكهنة والشمامسة وهم منقسمين إلى فريقين من المصلين يلحق بهم حاملي النعش وجمع الناس المتوجه إلى المكان المخصص لدفنه وعند الوصول يدلى النعش في حفرة القبر على أن يوضع المنتقل بوضع الاستلقاء على الظهر والرأس باتجاه الغرب وكأنه إذا قام يكون وجهه نحو الشرق لأننا وبحسب إيماننا نؤمن بان المسيح عند قدومه سيأتي من الشرق كما صعد من على جبل الزيتون من الشرق... وفي أجواء مهيبة مفعمة بأداء الصلوات والتراتيل بالألحان يلقى التراب على الجثمان تذكيرا بان الإنسان هو من التراب والى التراب يعود والجدير ذكره هنا بأن الأصح عند الدفن هو وضع الجثمان في القبر دون النعش تبعاً لما يخبره الكتاب المقدس لنا إذ مكتوب: الله خلق الإنسان من التراب وإلى التراب يعود وفي كتاب الطقس نقرا ( كما أوصى الله إله الكل أنت من تراب والى تراب تعود هو يدعوك ويقيمك من يمينه والمجد الذي أخذته من المسيح يجعلك ترفرف في تسبيحات المنتقلين والمعمودية المقدسة التي اكتنفتها والأسرار المقدسة التي قبلتها هي التي تغفر لك وتبيض وجهك يوم الدينونة ). وبعد أن يدلى النعش يوضع حجر واحد من رأس المنتقل وآخر عند قدميه كعلامة تبين حدود القبر لأنه بحسب إيماننا لا يجوز دفن اثنين في قبر واحد وبعدها وفي ختام طقس اليوم الأول يرتسم الجمع علامة الصليب ثلاثة مرات على الحجر الموضوع من جهة رأس الراقد ومن ثم يسلم الناس على ذوي المنتقل ويعزونه بكلمات التعزية كان يقولوا ( غفر الله خطاياه وقبله في ملكوته ...أو عزاكم الله ). اليوم الثاني ( طكٌسًا دصوٌيًاًا ): وفيه يجتمع الناس في الكنيسة لأداء صلاة الرمش ( طقس العزاء ) والذي يؤدى بالصلوات والمزامير التي تعزي الأحياء لفراق إنسان من بينهم مستشهدة تلك الصلوات بحقائق في الكتاب المقدس تؤكد بان الإنسان مهما علا شانه فلابد أن يذوق الموت كما ذاقه رجال الكتاب المقدس والعظام وحتى المسيح صورة الله المتجسد هو نفسه ذاق طعم الموت ولكنه قام بالمجد في اليوم الثالث وهكذا فان الله حاضر ليقيم الأموات يوم القيامة. ويختتم الطقس بقراءة لبركات خاصة تدعو الله أن يهب العزاء لذوي المنتقل ويتبارك من جاؤوا ليعزوا إخوانهم في ضيقهم تاركين أعمالهم ومشاغلهم ويتبارك الكهنة والشمامسة والمؤمنين المخلصين بدم يسوع الذين نقلوا الضريح من باب الكنيسة إلى المقبرة بالصلوات والمزامير..أن صلاة البركات ( بوٌركًةًٌا ) تعمق في الحاضرين معاني الكتاب المقدس التي تؤكد بان نفرح مع الفرحين ونحزن مع الحزانى وفي الوقت نفسه تعطي للمشاركة مع الحزانى في حزنهم الأفضلية من المشاركة في الأفراح. اليوم الثالث: والذي يفترض إن يعد لدى المؤمنين خاتمة لمظاهر الحزن مع ختام مسيرة طقس كنيستنا فيه يقام قداس على روح المنتقل تستذكر فيه معاني قيامة الأموات المقدسة وضرورة التمسك بها بإيمان قوي كما يتم فيه ذكر اسم المنتقل أيضا وبانتهاء القداس يشترك الحاضرين في تناول الفطور في قاعة الكنيسة بشيء بسيط بحسب ما توصيه الكنيسة وبعدها يتوجه الكاهن والشمامسة والجمع الحاضرين للمرة الأخيرة إلى المقبرة لختم القبر بشكل نهائي بالصلوات والترانيم التي تستذكر معاني قيامة الأموات ولعل الطقس الأكثر تميزا في اليوم الثالث هو كسر وعاء فيه ماء الأس على القبر كصورة رمزية تعني بأنه كما إن الماء يغسل جسد الإنسان هكذا يغسل الله يوم الدينونة المنتقل من وساخة خطاياه وذنوبه ويتم سكب الماء على القبر بحسب إشارة الصليب أي من موضع الرأس إلى القدمين ومن اليمين إلى اليسار ويشار إلى ذلك في كتاب الطقس ( اسكب علي بالزوفا لكي أتطهر ، ظل منعش برحمة صلاحك ابعثه ليعيننا .... المجد والشكر نرفعه للابن الذي بصليبه خلصنا ) ومن ثم يسلم الناس على ذوي المنتقل ويعزونه بكلمات التعزية وهذا السلام يعتبر السلام الأخير و به يختتم طقس المنتقل... أما بخصوص اليوم السابع وذكرى الأربعينية والسنوية فهي ليست إلا تقاليد قديمة ترجع إلى زمن اليهودية والمسيح قال ( لا تظنوا إني جئت لانقض الناموس والأنبياء. ما جئت لانقض بل لأكمل ) لذا علينا كمؤمنين بالمسيح أن نتمسك بما قد أكمله المسيح في العهد الجديد فقد أضاف المسيح لوصايا العهد القديم و آل إلى تفسيرها بالشكل الصحيح وليس كتفسير اليهود لها. في الخلاصة ما هو تأثير تأدية هذه الطقوس من عدمها بالنسبة لتحديد مصير الإنسان يوم القيامة؟ بإمكاننا اعتبارها ذات أهمية تكمن فيما يمثله كل يوم فاليوم الأول هو بمثابة تكريم للمنتقل بدفنه واليوم الثاني تمثل العزاء الروحي لذوي المنتقل بالصلوات الروحية المشجعة التي تبعث بروح الرجاء في قلوب الأحياء واليوم الثالث هو اختتام للطقس الكنسي الخاص بالمنتقل تعبيرا عن إن المسيح اختتم مسيرة الحزن والآلام التي قبلها بقيامته المجيدة المنتصرة وبالخلاصة هذه الطقوس جميعا لا تؤثر على مصير الإنسان يوم القيامة بل بالأحرى تتجلى أهميتها بالنسبة للأحياء فهي بمثابة رسالة توجه إليهم وتحثهم على الالتزام بمبادئ حياة الإيمان وبان الإنسان عندما ينتقل لن يخلد خلفه غير أعماله التي قام بها بإيمان. لاشك في إن الطقوس الكنسية المتعلقة بالمتوفى تأتي في مقدمة التعازي ولكن تبقى هناك فقرات أخرى لها شان آخر تتعلق بشكل كبير بالجانب الاقتصادي اعتاد على القيام بها الناس في تعازينا هذا الجانب الذي اخذ يبدو بأنه الجانب الأكثر ارتباطاً مع الظواهر الاجتماعية التي نألفها في واقعنا اليوم فلكون التعزية نشاط يحضره جمع من الناس فسيتطلب الأمر ضيافتهم بالشكل الملائم ولأداء الضيافة لابد من نفقات تخصص وأموال تصرف لا مجال للتغافل عن ما تصله أرقامها... ولمعرفة المزيد حول الموضوع والبدائل المطروحة التي من شانها أن تقلل من حجم المصاريف التي يتحمل عبئها بشكل رئيسي ذوي المتوفى... كان لنا هذه الوقفة مع السيد نمرود دنخا هاجي احد الوجهاء الآشوريين في مدينة دهوك وهو عضو إحدى اللجان المحلية التابعة للقرى الآشورية التي تساهم في جمع الأموال لدعم تعازيها أبو نينوس قارن بين تعازي الماضي مع تعازي الحاضر محدثاً لنا من منظور اقتصادي ومجيباً على تساؤلاتنا بفكر حضاري: فيما يخص الجانب الاقتصادي المتعلق بتعازي اليوم هل من اختلاف بين تعازي اليوم وتعازي الماضي؟ تعتبر تعازي اليوم امتدادا لتعازي الماضي ففي الماضي فبعد غسل جسد الميت بحسب المتوارث عليه في كنيسة المشرق الآشورية من طقوس يتم تكفين الميت بالقماش الأبيض وكان أهل القرية يصنعون له ما يعرف بالعربية السدية وهي لا تشبه النعش في شكلها الحالي فكانت تصنع من خشبتين تعرف بالكوردية ( دار به ستى ) وكانت بمثابة وسيلة ينقل عليها المتوفى إلى المقبرة تحمل من قبل رجال القرية من أطرافها الأربعة وتنقل إلى المقبرة التي كان يتوجه إليها بعض رجال القرية مسبقا ليتكفلوا بمهمة حفر القبر وعند وصول المقبرة كان الميت يرفع من على السدية ويوضع في الحفرة ليدفن أي إن السدية لم تكن تدفن مع الميت كما يعمل الآن في حالة استخدام النعش بل كانت تعاد لتستخدم في جنازات أخرى وبهذه الطريقة لا يتكلف أهل الميت أعباء اقتصادية تذكر سوى قيمة القماش الذي يلف به الميت أما بالنسبة للطعام المقدم في التعزية لم يكن يتحمله أهل الميت باستثناء الطعام المقدم بعد قداس اليوم الثالث أما اليوم الأول والثاني فأهل القرية بالاشتراك معا كانوا يتحملون مسؤولية إعداده وتقديمه في المكان الذي تقام في التعزية والذي يكون اغلب الأحيان بمثابة ساحة قريبة من بيت المتوفى يتوافد إليها أهل القرية لتقديم التعازي مشتركين معا في تناول الطعام لثلاثة أيام. في حين كان أهل الميت يقومون بعمل آخر وهو تقديم استحقاق الميت من الثروة التي يمتلكها والثروة آنذاك كانت الثروة الحيوانية وتتمثل بقطعان الغنم حيث كانت تذبح حصته من الثروة وتوزع لحومها كخيرات لجميع الناس بدون استثناء. وبالرجوع إلى الماضي نرى كثيرا من العادات والتقاليد المتعارف عليها سابقا قد تغيرت فمثلاً نتذكر بان ذوي الميت رجالا ونساءً كانوا يمتنعون عن الاستحمام كما كانوا الرجال يمتنعون عن حلاقة ذقونهم إلى اليوم السابع الذي وبقدومه كان بعض الرجال يأتون ليحلقوا ذقون رجال أهل الميت وتأتي النساء لمساعدة النساء في الاستحمام والغسيل لأنه بعدم حلاقة ذوي الميت لذقونهم واستحمام الرجال والنساء لما استطاعوا أهل القرية الاستحمام أيضا وذلك احتراما لذوي الميت ولكن في أيامنا هذه قلما نجد من يطبق هذه العادات فنرى ذوي الميت من الرجال يحلقون ذقونهم بأنفسهم فالوضع قد تغير من القرية إلى المدينة وبحكم ما تفرضه ظاهرة التمدن من أمور عديدة فقد نتجت متغيرات كثيرة جعلت من تعازي اليوم لا تشبه تعازي الماضي وبالطبع هذا التغيير شمل الجانب الاقتصادي أيضا وبشكل كبير فمن الجانب الاقتصادي ازدادت المصاريف المتعلقة بالتعازي فأهل الميت في كثير من الأحيان يتحملون مصاريف الطعام لكل أيام التعزية بالإضافة إلى تكلفة النعش ومن ثم دخلت أمور لا داعي لها مثل بناء القبر وترميمه وبدء الفقير يقلد الغني فتراه يداين المال لشراء المرمر أو الحلان ونقشه بالكتابة ووضعه على القبر ومنهم من يقيم سياجاً حول القبر ويغطيه بالقفص الحديدي. وفي الماضي أيضا لم يكن هناك اليوم السابع أو الأربعينية أو السنوية التي جميعها تكلف أهل الميت وتضطره لأعداد الطعام وتوزيعه في الوقت الذي تنصح فيه الكنيسة وتوجه الناس لعدم أحيائها ولكن لازال الناس يقومون بها. ويجدر ذكره هنا هو أن اغلب العادات الدخيلة التي دخلت على مجتمعنا حلت بعد السبعينات من القرن الماضي وذلك لانتقال الآشوريين من مكان سكناهم الأصلية نتيجة لأحداث التهجير ونزوحهم إلى مناطق أخرى جعلتهم يتركوا بعضا من عاداتهم الأصلية ويتقلدوا بتقاليد كانت سائدة في تلك المناطق لم تكن يوما ما عاداتهم. وبرايكم ماهي البدائل الاقتصادية التي تطرحوها للحد من مصاريف التعازي المكلفة؟ بالإمكان الاستعانة ببعض الخبرات وتطبيقها كبدائل اقتصادية ناجحة فمثلاً في مدينة نوهدرا قمنا بتشكيل لجان خاصة يطلق على كل لجنة بـ ( سيٌعةًا دعَنيٌدٌٍّا ) أي لجنة الموتى وهذه الجان هي لجان محلية في طبيعتها تشكل بطابع عشائري وسبطي يقوم في كل عشيرة من عشائرنا القومية الآشورية مجموعة من الأشخاص المتطوعين برعاية إدارتها بشكل طوعي وتكون مهمتهم جمع المبالغ المحددة مسبقا من العائلات بشكل شهري وضمها في صندوق خاص لدعم التعازي ويمكن لكل مشترك في هذه اللجنة الدفع بشكل نصف سنوي أو سنوي فالدفع مريح جدا ولا يطالب الإنسان المشترك في هذه اللجان بالكثير ويتجلى دور هذه اللجان فيما تقدمه من منحة مالية كدعم لذوي الميت وتقدر بحوالي ( 500000 ) دينار فضلاً عن الدعم الذي يقدمه الناس بشكل اختياري لعائلة الميت عند وفودهم إلى التعازي وتبقى هذه الأمور نسبية حيث تطبق في بعض الأماكن التي يتواجد فيها شعبنا وفي أماكن أخرى لا تطبق ولكن بإمكاني القول بان هذه الظاهرة الاقتصادية هي الظاهرة الايجابية الوحيدة التي تشهدها تعازينا اليوم اقتصاديا لان هذا الدعم يخفف من أعباء أهل الميت الاقتصادية خصوصا بوجود كل هذا الكم من العادات الدخيلة والمكلفة ناهيك عن إن الشخص الذي رحل عنا قد يمثل مصدر إعالة العائلة مادياً.. ومن منبركم احيي هذا العمل الذي تقوم به هذه اللجان مشكورين ولكل من يسهم في التخفيف من الأعباء الاقتصادية عن كاهل الناس ولدي في هذا الصدد مجموعة من المقترحات منها اقترح بان تضم بناية كل كنيسة مخزنا مجهزاً بنعوش جاهزة للاستعمال حتى وان تباع بأسعار محدودة المهم إنها ستضمن حصول الإنسان على النعش بيسر تلافياً للتأخير الذي يحدث عند تجهيز النعش عند النجار ولما يترتب عنه من تأخير في دفن الميت بشكل سلبي ومن المفترض أن يندرج هذا المقترح ضمن اهتمامات المجالس الكنسية وعليها أن تأخذها بنظر الاعتبار. واقترح على الكنيسة أيضا أن توجه الناس على ضرورة ترك عادة ترميم القبور ولما تكلفه من أعباء اقتصادية لان القبر المرمم يأخذ مساحة كبيرة من الأرض في حين القبر الغير مرمم لا يأخذ سوى مساحة الشخص المدفون وبذلك ستستغل الأرض استغلالاً اقتصاديا حسنا من جهة وستعمل على التقليل من زيارة القبور من جهة أخرى لما تحمله زيارة القبور عناء قطع المسافات الطويلة وتكاليف نقل زوار القبور في حين لا يوجد في إيماننا ما يوصينا بزيارة القبور واعتبر هذه العادة قد دخلت خطا مجتمعنا أسوة ببقية العادات السلبية التي اكتسحته واقترح عدم القيام بإعداد وتقديم الطعام اليوم الأول والثاني باستثناء للضيوف الوافدين من أماكن بعيدة وأما بخصوص توزيع الخيرات من الذبائح على روح الميت فانا أتصور بان الذبيحة ( الخروف ) لن تغير شيئاً من مستقبل الإنسان المتوفى من جهة قبوله الحياة الأبدية إطلاقا لذا يمكن استثمار هذه الأموال ليستفاد منها الأحياء بشكل أفضل لان الحي أولى من الميت. وأناشد الجميع على تقديم العون وبالطريقة الغير مكلفة لذوي الميت لنخفف ببساطة من ثقل الأعباء الكبيرة عنهم فبعدم مساعدتنا لهم سنجعلهم يتحملوها لوحدهم ومادام شعبنا بخير وامتنا بخير فإننا نستبشر عونا من الجميع ونطلب من الناس العمل بوعي وحرص شديد للتقليل من الملامة التي يحتمل لحاقها بالإنسان اجتماعيا نتيجة لاستجابته لرسالتنا الاقتصادية هذه. إن الأحمال والأعباء الاقتصادية التي قد يتحملها الإنسان نتيجة للعادات والتقاليد لن تحلق بعيدا عن الآلام والأحزان التي يعيشها الإنسان نتيجة فراقه لإنسان آخر مثل جزءا من حياته أنها تأتي لتطأ عليها ولتزيد الأوجاع ألماً فرغم ما تنشده تأدية الطقوس الكنسية من تشجيع وعزاء روحي للناس إلا إننا لا نستطيع أن نتغافل عن ما يحدثه رحيل شخص ما من عالمنا من الم وحزن يؤدي بشكل أو بآخر إلى ظهور تأثيرات نفسية عاطفية يتأثر بها الناس الباقين ممن تربطهم بالمتوفى صلات معينة لتطفو الصدمات المتنوعة الأعراض بشكل جلي في تعازينا. وكما هو معروف بان نسبة العاطفة لدى المرأة اكبر مما هي عند الرجل لذا يكون للمرأة نصيب اكبر من هذه التأثيرات النفسية التي تنعكس عليها في جلسات العزاء لتمثل مشاركتها في التعازي دوراً بارزاً فهي تساهم بشكل كبير في رسم معالمها بالشكل الذي تبدو عليه ونألفه في أيامنا هذه وللوقوف عند مشاركتها أكثر وما تطرأه على مجريات التعزية من وقع ايجابي أحيانا وسلبي أحيانا أخرى التقينا بالسيدة كمالة بطرس بنيامين التي تنشط في مجال المرأة المسيحية حيث لها في هذا الصدد عدة خدمات. كمالة الحاصلة على بكلريوس إدارة الأعمال، والتي تعمل كتدريسية في المعهد الفني في دهوك. أجابت على تساؤلاتنا مشكورةً بكل وضوح: السيدة كمالة كيف تتعامل المرأة مع واقع حادثة الوفاة والتي على أثرها تقام التعزية؟ بما إن التعازي تقام بسبب فراق إنسان من عالمنا قد يقرب إلينا ونكن له معزة خاصة في قلوبنا فلابد من إن يكون الموضوع جدير بالاهتمام إذ ليس بالموضوع الهين ولا يمكن في مثل هذه الحالة إلغاء عواطف الإنسان ومشاعره كما إن الله نفسه لا يطالب الإنسان بذلك والكتاب المقدس يذكر بان إبراهيم أقام مناحة عظيمة عندما فارقت سارة الحياة والمسيح نفسه تحنن على أرملة نايين في حزنها لفراق ابنها الوحيد فأقامه بمعجزة عظيمة مجد فيها الله. بطبيعة الحال الجانب النفسي هو الأكثر تأثرا في الإنسان بشكل عام وعلى المرأة بشكل خاص تبعا لزيادة نسبة العاطفة لديها فحالة الوفاة تؤدي إلى حدوث صدمة نفسية عند المرأة تتفاوت درجتها من إنسانة لأخرى وبحسب عدة عوامل منها الظروف المحيطة بحالة الوفاة وشخصية الإنسان وطريقة تعامله مع هكذا مواقف والطريقة التي أدت إلى وفاة الإنسان فمثلا إن كانت حالة الوفاة مفاجئة لن يكون تأثير صدمتها كحالة الوفاة المتوقعة نتيجة لمرض أو داء معين. وهل لك أن تحدثينا عن ابرز ردود الفعل النفسية التي تبدو على المرأة المصدومة؟ ردود الفعل النفسية الأكثر شيوعاً والتي بالإمكان التماسها في تعازينا هي البكاء، الصراخ، شد الشعر، اللطم، حالات هستيرية وأحيانا قد يلتزم الإنسان الصمت دون بكاء لفترة معينة وبعدما يستفيق من صدمته يبدأ بالبكاء ويحدث هذا خصوصا عند انتهاء العزاء وانتشار الناس المتجمعين حين يكتشف المرء بأنه أصبح أمام واقع لا مفر منه. حسناً هذا فيما يخص الجانب النفسي وماذا بخصوص مشاركة المرأة في تعازي اليوم بشكل عام... كيف تبدو ابرز سماتها؟ هناك سمات عديدة بالإمكان تشخيصها بالنسبة لمشاركة المرأة في تعازي اليوم فكما هو معتاد عند تسجيل حالة وفاة ما يهرع الناس إلى مكان الحدث حرصا منهم للوصول في أسرع وقت. وعبر مراحل التعزية هناك من النساء من يعملن على تهييج مشاعر الناس الحزينة بذكرهم مآثر الشخص المتوفى واعتصراهم الحزن أكثر خصوصا إذا كان الذي فارق الحياة زوج لامرأة ولديه أطفال صغار فنرى من تدوي بصرختها هنا وهناك ذاهبة بالقول ( أنت فقدت زوجك إي حياة ستحييها من بعده، أطفالك أصبحوا يتامى، لقد دمرت حياتك كيف ستواجهين المجتمع وأنت أرملة شابة سيحاسبك المجتمع على خطواتك...الخ ) وفي الحالة التي لا يكون فيها المتوفى متزوجا وبعده في ريعان شبابه ( آه يا أم العريس لقد دفنت ابنك الشاب ولم تزوجيه بعد... شاب عريس لم يحظى بعروسة وأطفال ... إنها مصيبة ... كارثة حلت عليك ... ) ويبدعن في هذا المجال بعض النسوة ذوي الموهبة الشعرية ويطلق عليهم العدادات ومنهن من يأخذ أجرا لقاء ما يقدمنه ففور حضور العدادة إلى موقع الحدث تبدأ تتساءل عن حالة وطريقة الوفاة ومعلومات شخصية عن المتوفى كعمره وحالته الزوجية ...الخ وتقوم بالتزمير على روح المتوفى مستخدمة أثقل العبارات التي تلهب قلوب الحاضرين وحال توقفها تطالب أن تستمر. هذا وهناك من يتصلن عبر الهاتف من البعيدين عن موقع العزاء ويبدأن بالتزمير عبر سماعة الهاتف تعبيراً عن الحزن وكطريقة لتقديم العزاء يقمن بتذكير ذوي المتوفى بالذي فراقهم كيف كان يلبس و يمشي ويتحدث ..الخ كما تحرص النسوة على ارتداء الأسود تعبيرا عن الحزن وبعض الأحيان لا يقتصر ارتدائه على الفترات المتقاربة من تاريخ فراق الشخص بل تطول وتمتد إلى أكثر من سنة وربما إلى الخمس سنوات وأكثر وفي بعض الحالات تتعمد النساء إلى منع تشغيل التلفاز ولفترت طويلة كالحالات التي يكون فيها المتوفى رجل وإمرته شابة وقد أنعمها الله بأطفال ناهيك عن تأثيرات أخرى قد تؤثر على قرارات مصيرية كحدوث حالة وفاة قريبة لأحد الخاطبين الذين اتفقوا على موعد زواجهم هذا الأمر قد يعطلهم لفترة طويلة ليحول دون عقدهم الزواج مما يؤثر ذلك التعطيل لحدوث مشاكل تسبب بعض الأحيان بافتراقهم عن بعضهم خصوصا وإذا كانت هناك إشكالية عند الطرفين المقبلين للزواج تتمثل بالإصرار على إقامة حفلة كبيرة مع انه ليس بكبر وضخامة الحفلة يقاس نجاحها. وكناشطة في مجال المرأة كيف ترين المشاركة الحقيقية للمرأة في التعازي بالشكل الأفضل والفعال أكثر؟ برأيي المشاركة الحقيقية تأتي من معرفة المعنى الحقيقي لكلمة العزاء فللوهلة الأولى التي نسمع هذه الكلمة سيراودنا معنى الذهاب إلى شخص محبط يعاني من حزن عميق ومهمتنا ستكون محاولة رفعه من الواقع المؤلم الذي هو فيه بالتشجيع المقترن بالحكمة. في الواقع يطلق عليها تعازي ولكنها وللأسف هي بعكس ما تعنيه كلمة العزاء لأنها تبدو في أكثر صورها إضافة لأثقال وأحمال أخرى فوق حزن الحزانى الذي يعانونه فتجعلهم يتقوقعون في أحزانهم وقد يعزى احد أسباب عدم ظهورنا في التعازي بالشكل المطلوب إلى اهتمامنا بالظهور كما يريده لنا المجتمع أكثر من اهتمامنا بالظهور بالكيفية التي يريدها لنا الله أن نظهر بها. برأيي المشاركة الحقيقية هي بمعرفة بان لدينا رجاء بالقيامة وهذا خير تشجيع نذكر به ذوي المتوفى وحضورنا بقرب الحزانى وتشجيعهم خصوصا بتردد الأصدقاء وبشكل أصولي لزيارة ذوي المتوفى ومشاركتهم في تناول الغذاء أو شرب الشاي معم وهنا لا أتحدث خلال فترة التعازي بل أتحدث خلال الفترة التي تعقب انتهاء التعزية ستكون لها أهمية كبيرة في تشجيع الناس والعودة بهم لمزاولة الحياة التي تستمر أما وجوب الحضور التقليدي المكثف في الأيام الثلاثة الأولى للناس بهدف البقاء بالقرب من ذوي المتوفى والحرص على عدم تركهم في هذه اللحظات لوحدهم قد يثقل على عائلة المتوفى أكثر مما يريحهم فمنهم من يريد أن يخلد بنفسه ليرتاح قليلا ولكنه لا يتمكن خجلا مما قد يتحدثون به البعض عنهم رغم أصابتهم بالتعب نتيجة استقبال وتوديع المعزين طوال النهار الذين فيهم من يستغل فترة التعازي ليأتي وليفتح المواضيع والحوارات العادية التي تصل الحالة عند البعض حد الضحك وتبادل الطرف. كما بودي أن أتوجه إلى النساء الحزانى اللواتي تكتسين بالثوب الأسود لسنوات ويحين ذكرى الميت على مراحل زمنية طويلة ظنن منهن بان في هذا الأسلوب ضمان لاحترام الميت بحسب المجتمع أقول لهن بان لبس الأسود ليس من موروثنا القومي الآشوري كما إني أتذكر بأننا قديما لم نكن نرتدي الأسود في تعازينا وبرأيي ارتداء الأسود هي عادة مكتسبة وأضنها جاءت من الغرب ودخلت في مجتمعاتنا في الوقت الذي لا يعتبر لون الأسود هو لون الحداد في جميع أنحاء العالم لأنه وكما اعتقد الهندوس يرتدون في تعازيهم اللون الأبيض وان كانت هناك شعوب ترتدي الأبيض دون الأسود تعبيرا عن حزنهم فما الغرابة من وجود شعوب أخرى تتخذ من ألوان أخرى غير الأسود والأبيض للتعبير عن حدادهم وبذلك نستنتج بان اللون الأسود ليس بوصية إلهية أو بواجب قومي يحكمنا القيام به. كما إن امتناعك عن تشغيل التلفاز الذي يعرض البرامج المتنوعة كالبرامج العلمية والتعليمية والتثقيفية سيساعد على تعود الأطفال الخروج من المنزل وليتابعوا برامجهم المفضلة عند الجيران أو عند آخرون وقد يؤدي هذا لإفراز تأثيرات نفسية وتربوية سلبية نتيجة خروج الطفل المتكرر من البيت خصوصا وان الأطفال يصعب عليهم استيعاب موضوع الموت وما يتطلبه النوح على الميت من التزام بعادات معينة تصل إلى حد إجبارهم على ترك متابعة برامج التسلية والأفلام كارتون التي لا يريدون هم تركها. أن فرحنا مع الفرحين وحزننا مع الحزانى سيمثل أفضل أشكال مشاركتنا في مناسبات كهذه والمسيح أعطى لنا دروس وعبر لنحتذي بها من خلال مشاركته في الأحزان والأفراح. وعلى ذكر المسيح والإشارة إلى الكيفية التي شارك بها في الأحزان توجهنا إلى بيت العم كَليانا بثيو وهو احد أبناء قرية ببيدي الآشورية الواقعة إلى الشمال من مدينة دهوك العم كًليانا يبلغ من العمر ( 77 ) عاماً قضى سنين عمره الطويلة يبحث في صفحات الكتاب المقدس عن نور لطالما استمد طاقته منه فعلى الرغم من آلامه الجسدية والنفسية إلا انه استقبلنا بنشاط وفعالية فقد جلب منبره الصغير الذي يضع عليه الكتاب المقدس ولبس نظارته وبدء يقلب في صفحات كتابه الذي اعتاد قرائه باللغة الآشورية لغة أجداده لينقلنا في أجواء روحية ترد الروح ارتأينا أن نختم بها محطات تقريرنا الإعلامية: العم كَليانا بما يوصينا الكتاب المقدس من جهة حزننا لرحيل الاناس من بيننا؟ في الواقع يشير الرسول بولس إلى النقطة إذ مكتوب ( ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. لأنه إن كانوا يؤمنون بان يسوع قد مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه ( تسالونيكي الأولى 4: 13، 14 ). وبقوله كالذين لا رجاء لهم يشير إلى الناس الذين لا يؤمنون بالقيامة كالوثنين وبعض الشعوب القديمة الذين كانوا يلطمون على أنفسهم ويصرخون وكان البعض لا يعود يشعر بان لحياته قيمة من بعد الشخص المتوفى العزيز على قلبه فينتحر حزناً ليلحق به وللأسف لازالت بعض العادات القديمة تنتشر في تعازي اليوم ولكون لنا رجاء بقيامة الراقدين فان هذا الأمر يعزينا بحد ذاته ويجعلنا نتحلى برباطة الجأش وتحمل واقع فراق إي إنسان وفي أية لحضه من بيننا إن رباطة الجأش تأتي من الإيمان القوي بقدرة الله على إحياء الإنسان ألذي يرحل عنا وخير قصة مذكورة بالكتاب المقدس تعطي لنا درسا في الإيمان القوي المتماسك هي قصة شفاء غلام قائد المئة والمذكورة في ( متى 8: 5 _ 13 ) والتي تحكي عن إيمان قائد روماني وثني آمن بقوة بسلطان المسيح وبقدرته على شفاء غلامه الذي كان مطروحا ومفلوجا ومتعذبا بكلمة منه دون أن يأتي إلى بيته وأثنى المسيح على إيمان قائد المئة بقوله عنه لم أرى إيمان كهذا ولا في إسرائيل كما كافئه بشفاء غلامه في تلك الساعة. وما هي الدروس التي نتعلمها من المسيح للمشاركة على النحو الأفضل في تعازينا؟ يذكر الكتاب المقدس ثلاثة معجزات أقام فيها المسيح موتى وبالإمكان أن نتعلم منها الكثير ولنحاول ترجمة معانيها خلال مشاركتنا في تعازي اليوم ومن المهم التعرف على احتياج أهل الراقد وكيفية تقديمنا للمساعدة الأنسب لهم فبعض الناس الذين يرحلون من هذا العالم هم من يكونون المعلين الماديين للعائلة أو إن لهم الدور الأكبر في تدبير الشؤون العائلية معنوياً فالتفكير بتقديم المساعدة من خلال مشاركتنا أمر لا بد منه وهذا ما عمل به المسيح كما ورد في ( لوقا 7: 12 _ 16 ). إذ يحدثنا الكتاب المقدس بان المسيح وهو يقترب من باب مدينة نايين رأى ميت محمول ابن وحيد لامّه وهي أرملة وكان معها جمع كثير من المدينة. فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون. فقال أيها الشاب لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه فاخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه. ففي هذه المعجزة نرى بان المسيح تحنن على الأرملة وخير مساعدة قدمها لهذه المحتاجة هو انه أقام وحيدها بقدرة خارقة وهذا يعلمنا بان نتجه نحو مساعدة الناس في حزنهم بما يقدرنا الله على إعانتهم والمساعدة هي أنواع ومنها المساعدة المعنوية التي تتمثل بكلمات التشجيع فالمسيح شجع يايرس الذي تلقى خبر فراق ابنته حين قال له لا تخف امن فقط ولما جاء يسوع إلى بيته نظر المزمرين والجمع يضجون قال لهم تنحوا. فان الصبية لم تمت لكنها نائمة. فضحكوا عليه. فلما اخرج الجمع دخل وامسك بيدها. فقامت الصبية فخرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها هذا ما تخبرنا به القصة كما وردت في ( متى 9: 23 _ 26 ) نعم لقد شجع المسيح يايرس ولكنه لم يعتبر وجود المزمرين والذين كانوا يضجون تشجيعاً فقد كشف المسيح زيف مشاعرهم لأنه ضحكوا عندما قال عن ابنته انها لم تمت بل هي نائمة ففي زمن المسيح كانوا يؤجرون المزمرين كما لازال البعض يقومون بذلك اليوم وبموجب هذه المعجزة لم تعد قيمة لهذه العادة فالمسيح لم يجري عمل الله العظيم أمام أعين الساخرين بل أبعدهم ومن ثم قام بالمعجزة. كما نتعلم من المسيح هو عدم إلغاء مشاعر الناس الحقيقية المتخبطة بالحزن فيذكر في ( يوحنا 11: 11 _ 44 ) معجزة أخرى أقام فيها المسيح فيها لعازر من الموت هذا الأخير الذي كان له أربعة أيام وهو في القبر نرى المسيح في مشهد القصة قد انزعج بالروح واضطرب كما انه بكى أيضا عندما حضر ليقيم لعازر. حتى إن اليهود قالوا انظروا كيف كان يحبه. المسيح من خلال ما قد تقدم ذكره يعلمنا من خلال مشاركتنا في التعازي أن نحاول تقديم المساعدة بشكل يتناسب مع الحاجة ومن خلال التشجيع والعزاء الحقيقي بالكلمات المشجعة وليس بالتزمير والضجيج المفتعل لإثارة مشاعر الناس كما انه في نفس الوقت يضطرب بالروح ويحزن ويبكي ولكن بمشاعر حقيقية وبأصول بعيدا عن الحركات التي ليست من إيماننا وما توارثناه لأنه في الآخر يهبنا الفرح الحقيقي برجاء القيامة. التعزية الحقيقية التي تؤثر في أعماق الإنسان وظاهره وتنقله من حالة الكربة إلى السعادة ومن الحزن إلى الفرح ومن الاضطراب إلى الطمأنينة والسلام قد تنبع من منابع كثيرة منها قريبة وبعيدة وسواء قدمت بشكل تلقائي أو بشكل مدروس وسواء قدمت بالفعل أم بالقول فإنها لو أتت في موعدها وحلت في محلها ستسجل أروع المواقف وأجدرها لأنها ستشبع بالطريقة هذه حاجة الإنسان الماسة إليها... وقد يكون أول سؤال يراودنا بعد كل هذه المحطات التي توقفنا عندها هو هل إن تعازينا بشكل عام تلبي حاجتنا إلى التعزية أم إنها تضيقنا وتحملنا عوضاً عن أن تحمل عنا؟ إنها دعوة صادقة للبحث عن الحلول لما تعانيه ليس فقط تعازينا بل جوانب أخرى كثيرة من حياتنا وما تتطلبه من تغيير في الإيقاع ومعرفة للحاجة قبل وصف الدواء.