القراءات: 184
0000-00-00
طائر أدركته المنية قبل أن يبسط جناحيه في الآفاق
طائر أدركته المنية قبل أن يبسط جناحيه في الآفاق طفل وسيم أبصر النور في 1-5- 1954 وسط عائلة قوامها سبعة أفراد احتضنت ولادتهم قرية كلدوشورية صغيرة وجميلة مطلة على نسائم نهر الخابور في أقصى الشمال (جلك ) تلمذ منذ نعومة إظفاره على حب الوطن والأمة ومضغ هموم وحدة الأمة وواقع الوطن المزري مع الحليب الذي نهله من صدر أمه الدافئ وهو يعبر عن ذلك بالغناء وملازمة شواطئ صديقه نهر الخابور الخالد متأثرا بجماله الخلاب وبرقرقة مياهه العذبة . ونتيجة للوضع السياسي الغير المستقر للقرى آنذاك وبداية ثورة أيلول غادرت عائلته إطلال القرية والدموع تنهمر على وجنتيها صوب مدينة نوهدرا (دهوك) لتستقر بإحدى أحيائها الشعبية , وهناك دخل المدرسة الابتدائية وظل حبه لفن الغناء والموسيقى يكبر ويسمو في كيانه كنمو الإزهار وتفتقها في مطلع الربيع حيث ابهر معلميه ومدرسيه بتفوقه الدراسي وموهبته الغنائية العالية والخلاقة , وكان من الأوائل دائما ومن المبادرين بالغناء في حفلات الزفاف والمهرجانات العامة في المحافظة , لذا فقد انهالت عليه الهدايا وعبارات الثني والتشجيع من شخصيات مختلفة عاليه المستوى مما زاد من حماسه وحرقته للغناء ورفد سبيله هذا بكل ما هو جديد ونافع حتى وصل به الأمر إلى أن يتسلل خفية لإحدى حفلات المطرب الكردي المعروف المرحوم محمد عارف الجز راوي في دهوك ليتلذذ سمعه وبصره برؤية هذا الفنان الكبير وهو يداعب أوتار طنبوره وليرى هذه الآلة الموسيقية لأول مرة في حياته ويعرف مكوناتها ليصنع واحدة منها من ثمار نبة القرع المجوف ويظل يرن بأوتارها ويطلق صوته الشجي في الغناء معبرا عما يدور في خلجات نفسه من شؤون و شجون إلى جانب مساعدة الأسرة في ممارسة مهنة النسج المتوارثة أبا عن جد لصناعة الملابس الفلكلورية الكلدواشورية ( الشل والشابك ) والسير بخط متوازي لتكملة دراسته المتوسطة والإعدادية وتعلم لغة الأم السريانية وفاض بمصطلحاتها الشيقة ليتسنى له الغور في أعماق الكتب والمصادر التاريخية الخاصة بأمته وحضارتها الممتدة .وفي مطلع العقد السبعيني من القرن الماضي شدت عائلته الرحال إلى بغداد حيث أضافت تلك الرحلة الكثير إلى موهبته وصقلت أفكاره ومهدت له الكثير من السبل , وفي عام 1977 اقترن بشريكة العمر (ليلى سفر ) حيث أصبحت من خيرة المشجعين له , إضافة إلى أن أجواء بغداد الفنية والثقافية والأدبية والسياسية ومنتدياتها ونواديها الحافلة بالرواد والفنانين الرومانسيين آنذاك ووسعت تلك الظروف من آفاقه الفكرية وجعلته يصطف مع المغنيين الكبار ونال رضاهم حيث تعرف وغنى مع الفنانين العراقيين الكبار أمثال الهام المدفعي وسيتا هاكوبيان والبرت روئيل والمرحومين محمد عارف الجز راوي وعيسى برواري وغيرهم . كما أتقن العزف على آلة الطنبور بحيث كانت تتراقص بين أنامله الذهبية وكأنها ولدت بين يديه . كما يظهر في الصورة وهو يحتضن طنبوره ويؤدي إحدى وصلاته الغنائية ويذوب في أدائها بحدائق نادي المشرق ببغداد . مع العلم ان هذه الصورة أخذت بناءا على طلب الفنان الكبير الهام المدفعي .. غنى وصدح صوته باللغات العراقية الثلاثة السريانية والعربية والكردية . ولكن تلك الحالة لم تدوم بل سرعان ما بدا جو العراق يتلبد بغيوم الحرب العراقية الإيرانية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي , حيث توقف عن الدراسة واكتفى بالشهادة الإعدادية , وهذا ما قلب موازين حياته رأسا على عقب فقرر العودة بطنبوره وعائلته الصغيرة إلى شمال الوطن عام 1987 ليستقر بمجمع قرية بيرسفى حيث ملتقى الأهل لأحبة هناك بعد أن أخليت قرى الشريط الحدودي مع تركيا وترحيل سكان تلك القرى عام 1979 ليستقروا في المجمعات القسرية . واستقر به المقام في هذا المجمع لينفذ بجلده من آتون الحرب تاركا وراءه مكتبته الغزيرة بالمصادر الفريدة وذكريات مسيرته الحافلة بالمواقف وأصدقائه ومعجبيه في بغداد الحبيبة , ومن مجمع بيرسفي بدا مشواره الجديد في جو القرية المختلف جذريا عن جو بغداد العاصمة وأصبح هنا تحت أمر واقع القرية الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة.. لقد سجن صاحبنا هذا عدة مرات بسبب مواقفه القومية الشجاعة وصراحته المعهودة , لكن واقع الحياة الصعب في القرية ومتطلبات المعيشة جعلته يعود إلى امتهان مهنة أبائه وأجداده وينزل في جب النسيج والحياكة بروح متأججة وبأنامل فنية ماهرة ومتخصصة , ولجودة عمله ودقته جعلته مقصدا لتجار هذه المهنة من داخل العراق وخارجه حتى وصل إنتاجه إلى السيدة ( تانسو جيلر ) رئيسة وزراء تركيا السابقة ..وعلى هذا الحال ظل في القرية مشاركا أهلها أفراحهم وأتراحهم , وقلما خلت مناسبة قومية من صدى حنجرته الذهبية بالغناء وترديد العبارات والشعارات الحماسية ,كالاحتفال بالأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية ( اكيتو ) إضافة إلى إحيائه لحفلات الزفاف . وهنا قصدته الكثير من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية لشرف اللقاء به ومنها تلفزيون وإذاعة آشور في دهوك وذلك لكثرة إلمامه بالكتب التاريخية والغناء الفلكلوري الكلدو آشوري وأمور الحياة الأخرى .. وهنا يمكن أن ينطبق عليه المثل الشعبي ( صاحب سبع صنائع ) . وامتاز فنانا الكبير بخفة الدم وببشاشة الوجه إلى درجة يجعل الناس يتمتعون بالضحك المفرط وهم في قمة الغضب , كما كان يتميز بحنانه وعاطفته الجياشة فتره في المآتم ودموعه تنهمر على وجنتيه . أما في المناسبات السعيدة فقد كان يهز قامته الرشيقة أمام أنغام الطبل والزرنا ويذوب في أداء الحركات الراقصة وكأنه خلق لها فقط دون غيرها ,أما في مجالس أهل الفكر فكان يدلي برأيه السديد بكل الأمور وبكل رصانة ومصداقية وموضوعية تامة . ونتيجة لعمق أفكاره وبعد آفاق خياله الرحبة وتثقل رأسه بالأفكار والأماني وطموحات لا تحدوها حدود وهو في واقع مرير لا يؤمن له تحقيق الحد الأدنى من تلك الأفكار والرؤى المستقبلية . ومما أدى ذلك إلى التآكل من الداخل والنخر في أوصاله واثر ذلك سلبا في معنوياته وغيرت مجرى حياته وبالنتيجة امتدت إليه يد المنون وتأخذه إلى الادخار السماوية في الثامن من نيسان الشهر الذي يعزه كثيرا من عام 2000 ..انه المطرب المحبوب الشاب اوشانا انويا المكنى بـ (أبو اريا ) الذي ودعنا مبكرا اثر نوبة قلبية حادة وهو في ريعان شبابه ليترك فلذات كبده وأحبابه ( هيلين – نهرين - اريا – ارخا - اوكر – اوكن – اركون ) أيتاما يعيشون على ذكريات والد منحهم كل ما يملك ويتدفق من صدره الدافئ من الحب والحنان الأبوي وبسخاء كبير, متطبعين بخصاله ودماثة أخلاقه . تاركا طنبوره يتيما حزينا معلقا في زاوية المنزل تتراكم عليه حبات الغبار ولتدمع الأعين حزنا وكمدا لدى رؤيته .. حيث وري جثمانه الطاهر الثرى بطقوس خاصة مهيبة شبيه بطقوس العرسان إلى جانب أمه الحنونة بمقبرة بيرسفي ليترك رحيله أثرا بالغا في نفوس كل من عرفوه وتعاملوا معه . وليترك فراغا قلما شغله غيره .. فتحية مفعمة بالراحة الأبدية لروحه الطاهرة ولأهله ومحبيه الصبر والسلوان ..