القراءات: 190
0000-00-00
الضمير
ما هو؟ وما عمله؟ وأين يوجد؟ وما مدى خطورة إهماله؟ الضمير؛ هل هو إحساس مرتبط بالقلب أو بالنفس أم بالروح أم بالعقل أم شعور باطني يتحرك متى ما طلب منه هل هو أقرب إلى المثالية أم هل هو مركب جسدي ( عضوي ) أم نفسي أو روحي؟ قليلة هي الكتب والمصادر والمحاضرات التي تتطرق إلى الضمير وتشرحه وتدخل إلى أعماق نفس الإنسان وتحللها ضميريا و بصورة واضحة وصريحة وتحمل موضع الجد وبجرأة في موضوع مهم وخطير وحيوي له تأثيره العام والخاص على الحياة وعلى الذهن وعلى القيم الأخلاقية والإرادة الحرة والأيمان والحب وعمق البصيرة التي تتحكم بالإنسان . ومرة سألت احد الأصدقاء لماذا قليلة الكتب عن الضمير وقليل من يتجرءا أن يكتب ويطرح تساؤلا في مثل هذا الموضوع المهم في حياتنا ، أجاب الصديق لأن قليل من يملك الضمير في يومنا هذا فلهذا تخاف من أن تكتب عنه وهي لا تملكه. يا ليت تصحوا ضمائرنا لنعيش معا بسلام ووئام ومحبة. (( وأما غاية وصيتنا فهي المحبة النابعة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء )) ( 1تيمو 1 : 5 ) قالوا عن الضمير هو الصوت الداخلي للإنسان أو انه يشبه القلب أو الذهن وآخر يصفه بالعقل الباطني وقسم يقول عنه هو شعور وإحساس اتجاه موقف معين. ومن وجهة نظر الدين هو صوت الله داخل كل إنسان صالح والدين أيضا يشبهه بروح الله وأيضا هو الناموس الأخلاقي للإنسان وهو ناقوس يدق لإنذار الإنسان وتحذيره متى عمل شيئا مخالفا للحق والعدل. وغيرها من الصفات والتعبير كلها لا خلاف عليها مادام يعطي كرامة وسمو ورقي للإنسان ويرفع من شان الأمم التي تعمل به وتصحوا له، إلا إنها تبقى التعاريف هذه غير جازمة وغير مطلقة لذا ينبغي بالإنسان أن يبحث ويتعمق في فهم ماهية الضمير وقوة تأثيره الداخلي والخارجي ومدى خطورته إن أهمل ولم يعمل به. (( لأنه إن لامتنا قلوبنا ( ضمائرنا ) فالله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء )) ( يوحنا الأولى 3: 20 ) من الذي يعرف جيدا أهميته وغايته ووجوده ؟ القيمة العظمى له وغاية وجوده في الإنسان. حين يفقد ه الإنسان ماذا يبقى له أن يذكر, كما قال ذلك الفيلسوف ( من يترك ضميره لم يترك لنفسه شيء يستحق الذكر ) ونحن نسمع على الدوام وفي حياتنا اليومية الاعتيادية والرسمية يقال هذا صاحب ضمير أي شخص صالح والآخر معدوم الضمير أي انه ظالم وطاغي وقاسي وكذاب وينعت من لا يحكم ويعمل بضمير صالح وصادق بنعوت سيئة شتى ... الضمير هو الذي يعطي للإنسان كرامة ومزايا وسجايا نبيلة ويرفعه إلى منزلة أسمى من أي كائن حي آخر هو من الفضائل وهو العنصر الذي يربط ويتوسط مابين عقل الإنسان والخالق, (( صنع الكل حسنا في وقته وايضا جعل الابدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الانسان العمل الذي يعمله الله من البداية الى النهاية )) ( الجامعة 3 : 11 ) إن تعبير الضمير مشتق بالأصل من فعل لاتيني ( Conscientia ) ويعني معرفة لها علاقة ومرتبطة مع شيء أي معرفة ووعي مرتبط بشخص ما . وان الإنسان يتميز بأنه في ضميره يعرف الأشياء الأخلاقية بالارتباط مع إرادة أسمى وأعلى منه إرادة تفوق الطبيعة وتتفوق بالسمو والقوة وهذه الإرادة هي إرادة الله وتسمى بالناموس أو الشريعة أو القانون الإلهي وينبغي على الإنسان أن يعيش ويتحرك وفق هذا القانون والشريعة الأخلاقية ومن خلال المعرفة والوعي يعرف الإنسان انه يتمثل للشريعة الأخلاقية أو لإرادة الله. ويقول له ضميره افعل هذا ولا تفعل ذلك, إن الضمير هو إعلان مباشر لتلك الحياة التي تجعل الإنسان إنسانا. وهناك بالطبع مفهوم تطوري للأخلاق يعلل بموجبه مفهوم الضمير وأصله ,فان المجموعات التي ضمت أكثر الأفراد قدرة على التضحية بمصالحهم الشخصية لأجل الصالح العام قد خرجت ظافرة وبقيت عالية الكرامة والشأن وفنيت المجموعات الأخرى التي أهملت هذا الجانب المهم والخطير والحيوي وأسيء استخدامه وبقيت في ذيل الأمم تعيش في فقر وحرمان وفوضى بلا عدالة. ولأنه قانون أخلاقي داخل الإنسان فاحترامه ينبغي أن لا يفرض من الخارج بل ينبع من الداخل أي من أعماق الذات. الضمير والقيم العليا. الضمير والأخلاق ولكي نفهم بصورة أفضل ما هو الضمير لا بأس من إجراء مقارنة بينه وبين غريزة الحيوان ، فالغريزة تخبر الحيوان بما ينبغي أن يعمله لكي يحفظ حياته ونسله والغريزة نفسها تنذره بأي شيء يمكن أن يهدد سلامته فتحس بالخطر الذي حولها وهي تحس بالنباتات السامة فتتجنبها ولا تأكلها مطلقا وان أكلتها فهذا يكون سما اصطناعيا. وأما الضمير فهو معرفة ووعي ليس كالغريزة تسوق الحيوان مرغما في مسلك معين. بل انه دراية ووعي لشريعة مقدسة فوق إنسانية تخاطب إرادة الإنسان الواعية ( نقارن بين العاقل ومن فقد عقله ) ليتبعها طواعية دون إكراه. فالكائن البشري بفضل الضمير يكتسب وعيه الإنساني ويتعلم أيضا بأنه ليس خاضعا لضرورة معينة كما هي في حال الحيوانات تلزم أن تتبع الناموس الطبيعي الغريزي الفطري، فالإنسان ملزم أن يحيا وفق ناموس روحي فوقي وعلوي أي الهي ، وهنا يقع الصراع مابين الأنا والذات ومن خلال الضمير تخرج الأنا من ذاتها لتلاحظ ذاتها وتتطلع عليها في ضوء إرادة الله لترى موقعها اتجاه تلك الإرادة ومن ثم تصدر الحكم على الموقف التي هي فيه، وحكمها يكون موضوعي دون التعصب عندما تصدره على ذاتها. ولنعرف معنى الضمير بصورة أعمق وأوفى فلابد من تشريح النفس الإنسانية بكل ما فيها من متناقضات وازدواجية لأن الإنسان مليء بالصراعات وهو الذي يقتل كل ما يمت إلى الضمير الحي مثل العدل والرحمة والأيمان والمحبة. الضمير النائم والضمير الميت أحيانا نتحدث عن أناس ونقول إنهم بدون ضمير بلا شك هو تعبير قاس يطلق عليهم. فتكون ضمائرهم إما نائمة أو ميتة فكيف نوقض الضمير النائم وأصحابه يعيشون بسلام مزيف في خطاياهم وهم مخدوعين زمنا طويلا ويمنعون بالقوة ضميرهم من أداء وضيفته بصورة صحيحة ويسكتونه، هم يعيشون في قلق مستمر ولا يشعرون بالراحة مطلقا. وهنا يأتي دور تأنيب الضمير، فان الشخص الذي يقوم بعمل أو فعلة لا ترضي ضميره أي فعلة مشينة وبعدها إذا فكر بطريقة أو بأخرى أن يندم على ما قام به فهذا يسمى بالتأنيب الضمير، والضمير هنا يقوم بدوره ويعمل عمله ولو ببطيء ويسمع صوته إلى صاحب الضمير النائم ليعود إلى رشده فإذا سمع وصحي وتاب فكان خيرا. والضمير الميت يبتلون به الأشخاص الذين استخدموا الخداع الباطني في تقسية الضمير ( تقسية القلب ) وثمار هذا الخداع هو تردي الضمير وإلغائه وفشله بأداء واجبه الحقيقي والحالة التي وصل إليها بسبب التخلي والاحتقار للضمير وبالتالي يؤدي إلى تلفه وتدمير ذلك العضو الوحيد الذي يشكل همزة وصل بين الإنسان وبين الخلاص الذي أعده الله للبشر، وأصبح من المستحيل بالنسبة لهؤلاء الأشخاص في نوال الخلاص لأنهم فقدوا فرصتهم الأخيرة وفقدوا الإحساس والقدرة لقبول التوبيخ والحزن على الخطية وهذا يعتبر تعديا واضحا يرتكب ضد الله. لأن مثل هذا الشخص قام بتدمير قوى ضميره عن عمد وإصرار، فتكبر عند أصحاب الضمير الميت نزعة التملك فتقتل نسمة الحياة التي وهبت من الله. لأن الضمير كما أسلفنا في البداية يحتل مكانة فريدة وهو الذي يجعلنا بشرا ذو قيمة، وعندما نحطم هذه القوة يحطم في ذاته إنسانيته عينها، وبذلك لا يجعل من نفسه حيوانا بل شيطانا مريبا ينتظر كل فرصة لينتهزها. لذا يتبين من كل هذا بان الضمير هو شيئا حيا عرضه للنمو والتطور وتتوقف طبيعة هذا التحول على معرفة إرادة الله والعلاقة الحميمة معه. وان العامل المهم الذي يلعب دورا في تطور ضميرنا هو الإرادة، لان الضمير بحسب طبيعته يصدر الأوامر للإرادة وتتوقف طبيعة نموه على مدى استجابة الإرادة له. فإذا سمحت الإرادة للضمير أن يتكلم ويحكم بلا معارضة فسوف يخلو من العثرة والخطأ فيظهر صحيحا معافى ولم يصبه أي ضرر ويكون له ملئ الحرية في إنذارنا وإصدار الحكم علينا ولا نتدخل في شؤونه عندما يقوم بوظيفته، وهذا ما يقصد به تعبير ( الضمير الصالح ) أو ( الضمير الطاهر ) فهو لا يسمح أي شيء غريب عن طبيعته بان يتدخل في عمله، وثمة علامة مميزة ومهمة للضمير الطاهر هو الإقرار بصواب اتهاماته. ويكون لامتحان النفس يوميا أمرا ضروريا فيصبح المرء قادرا على التمييز بين الأمور الأساسية وغير الأساسية فيهتم بالدوافع أكثر من اهتمامه بالأفعال الظاهرية وهذا ما نجده عند المجتمعات الإنسانية الراقية والتي تعتمد على كلمة الله كدستور في تعاملها مع البشرية. فيكون الضمير الحي مدافع قوي وثمين يساعد المؤمن ويعينه على تجنب كثير من الأخطاء والسقطات، والضمير الحساس هو أقوى وأفضل وسيلة يمنحها لنا الله في مقاومة التجربة. فالتجربة تشل إرادتنا وتذيب كالشمع كل تصميماتنا القوية وتجعل اذكي الناس في الأحوال الطبيعية يقدمون في ساعة التجربة على أعمال حمقاء ويندمون عليها طيلة حياتهم، والضمير الحساس هو ضمير ذو سلطان وكلما خضعت إرادتنا لصوته صاغرة طائعة زاد صوته سلطانا وزادت سيطرته على إرادتنا. فنتجنب الشر الذي يرفضه الضمير ونعمل الخير الذي يأمرنا به. ويرسم الضمير الحساس المسيطر خطوطا يسير عليها الإنسان الصالح في حياته ويتميز ذو الضمير الحي بأنه يشعر دائما بضرورة استشارة ضميره ويجعل من حياته خاضعة للضمير الحي وعلى ضوء كلمة الله ومشيئته، ولا تنقسم حياته إلى جزأين: جزء مقدس وجزء عالمي دنيوي خاضع للماديات. ويعينه ضميره بان يحيا في الارتفاع والرقي والسمو والنجاح وترتفع حياته إلى مستوى جديد تختلف عن قبل وعمن حوله ونور الضمير يشع بالرضي بما يقوم به. (( فليضيء نوركم هذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات )) ( متى 5: 16 ) لماذا يفشل الشخص مهما كان موقعه الديني أو السياسي أو الاجتماعي الذي لا يتمتع بحساسية الضمير. انه ينظر إلى مهنته كشيء عالمي دنيوي، يعمل بصورة رتيبة وكسولة عندما يكون العمل للآخرين دون أن يضع قلبه في ذلك العمل. أما إذا كان يعمل لحسابه الخاص وحسب مقتضى مصلحته الشخصية فان حماسته الأنانية وطمعه يغريانه على العمل بجد وحرص و يجمع اكبر قدر مستطاع من الثروة، وهكذا يدفن نفسه في عمله الدنيوي دون مبالاة للآخرين وهنا تكمن الخيانة للرسالة الإنسانية، وفي يومنا هذا نجد الكثير الكثير مثل هؤلاء النماذج. وأما صاحب الضمير الحي الذي يسير حسب وصايا الله، يعيش دوما في علاقة مع الله ومع الجميع ومع نفسه بسلام وأمان وخالية من أي توتر. ويضع كل أعماله إلى حيث يلقي عليها الضمير ضوءه، وبالتالي إلى حيث يقع عليها ضوء الله. ويتحرر من توتر وخداع وينعكس هذا التحرر تدريجيا على حياته وعاداته وعلاقاته الشخصية وسلوكه اليومي وأخلاقه في جميع المجالات دون أن يتعرض إلى التقلبات المزاجية فيكون ثابتا مهما تغيرت الظروف لأن ضميره يكون البوصلة التي ترشده إلى السبيل الصحيح ويصبح في مأمن في حال الوقوع في أي تجربة أو امتحان. ولن يسمح للخداع أن يتسرب إلى روحه، بل يحافظ على السلام الذي يربطه مع الرب بضمير صالح وهذا هو سر الأيمان (( سر الأيمان بضمير صالح )) ( 1 تيمو 3: 9 ) وهذا ما يؤكد لنا أيضا إن الضمير هو ما يجعل الإنسان إنسانا . والسؤال المطروح أين سنجد مثل هذا الضمير الحي .....؟ أعداد / فضيل عيسى ايوب / زاخو