القراءات: 245
2040-12-08
صحافتنا القومية والرأي العام
تعتبر الصحافة التي هي إحدى أركان عائلة وسائل الاعلام من القنوات المهمة ذات التأثير الفاعل بين الجماهير باستخدامها أسلوب التفنن في صياغة الكلمة المكتوبة والتي تحمل قوة في التعبير بهدف الأخبار او التثقيف او الاستمتاع بمعلومات وأفكار منطقية سليمة ومؤثرة تولد إقناعا لدى المتلقي من الجماهير وتحدث تغيرا في أفكار وسلوك وتوجهات هذه الجماهير ، مما يؤدي الى خلق قوة بمقدورها أن تسيطر على تحديد وجهتها إزاء قضية او حدث نحو الوجهة المطلوبة وهذه القوة تتمثل في ظاهرة الرأي العام التي تسعى كافة وسائل الاعلام جاهدة بما فيها الصحافة الى تكوينه. الرأي العام تاريخيا رغم أن مفهوم الرأي العام لم يكن معروفا بالشكل الذي هو علية اليوم ألا أنة كان أمرا واقعا تمارسه الجماهير بالمفهوم الذي كانت تمارس في المناسبات الدينية والقومية كما كان يحصل في حضارة سومر وبابل وآشور وحضارة الفراعنة ، مستهدفة السيطرة على الجماهير واقناعها للخضوع لكل ما كان الكهنة في المعابد ورجال السلطة في الحكم يرونه مناسباً ، وايضاً كان بمثابة الحكم الفاصل في كل النشاطات التي كانت تمارسه الجماهير في المدن اليونانية . وجاء القرن الخامس عشر للميلاد ليضيف وسيلة مهمة للاتصال الجماهيري وهي المطبوعات من الكتب والصحف والكراريس بعد أن حصل تطور في الآت الطباعة وكان لتقدم التجارة وازدهارها في عصر النهضة الأوربية اثرها البالغ في عملية انتقال الافكار الجديدة التي افرزتها النهضة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وجاءت الثورة الفرنسية (1789) لتوسع من مساحة أهمية الرأي العام في الحياة بجوانبها المختلفة وتحميه من الإساءة عن طريق التشريع الديمقراطي الذي يضعف هذه الحماية . وخلال القرن التاسع عشر تصاعد النضال من اجل حرية الرأي واحترامه ولا سيما حرية الصحافة ضد التصرف الكيفي للحكومات وتجاهلها للوسائل الفنية العصرية للعمل الجماعي ، ثم زاد الاهتمام بشكل ملفت للنظر بالرأي العام خلال القرن الحالي بظهور كتب تعطي اهتماماً كبيراً في التفكير بالرأي العام خاصة الكتب النفسية وعلوم الاجتماع التي اخذت تلقي الضوء على كيفية تكوين الرأي العام من خلال دراسة السلوك الفردي والجماعي ، وشرعت مدارس للصحافة لتمارس طريقة منظمة لدراسة تأثير الصحافة على الرأي العام باعتبارها المرآة التي تعكس هذا الرأي ، وبعد الحربين العالميتين تطورت الدراسات في مجال التحليل واستطلاع القراء والاهتمام بالعلاقات الدولية وباختيار باحثين وتدريبهم وتشجيع الكتابات التي تهتم بالرأي العام وتكوينه وتأثيره في مجمل حركة الحياة اليومية ومن ثم وجه الاهتمام الى تمجيد مسؤولية وسائل الاعلام باعتبارها الوسيلة التي تعمل على تكوين وصياغة وعي الجماهير . مفهوم الرأي العام لا يمكن تحديد تعريف متفق عليه للرأي العام يرضي كافة الأطراف، فقد اختلف الباحثون في ذلك ، بسبب ديناميكية الرأي العام من حيث التطور والتبدل وتأثره بالعوامل الموضوعية . لكن رغم اختلاف الباحثين في تعريفه الا انهم يتفقون على أن الرأي العام هو تجميع الآراء بشأن قضية محددة لها صفة عمومية بهدف التأثير على موضوع القضية سواءً كان للاتفاق أو للرفض ، وعلى هذا فان الرأي العام ما هو الا ناتج جماعي يشير الى الرأي البارز او الغالب المتشكل بنسبة قوية يمثل الجمهور في حدود اجتماعية وجغرافية وتاريخية سواءً للاتفاق او المعاضة . نشأة صحافتنا القومية كانت بدايات صحافتنا القومية على يد روادها الاوائل الذين تحملوا عبأ ، تثبيت أقدام الصحافة كفن عصري لتحقيق وعي الجماهير ضد ممارسات طمس الهوية القومية والحفاظ على معالم ثقافتها . فقد افصح هؤلاء عن هوية وثقافة وطنية وقومية تاريخية أصيلة من خلال إصداراتهم الاولى للصحافة من حيث الفكر والتوجيه ، الا أن الواقع الذي نشأت وترعرعت فيه منذ اواسط القرن التاسع عشر وحتى بداية العقد التاسع من القرن الحالي سادته شتى انواع القهر والاستبداد كما أن هذا الواقع المرير لم يكن يساعد الصحافة في تأدية رسالتها المطلوبة ولم يعمل على نشوء صحافة حرة تعبر عن تطلعات ابناء شعبنا ، الا انها رغم تلك الظروف القاسية التي كانت تحيط بها استطاعت أن تقوم بالدور النضالي لها في تلك المرحلة وخاضت صراعاً في اداء رسالتها القومية وقدمت شهداء خالدين في مقدمتهم (آشور يوسف ) صاحب صحيفة – مرشد الاشوريين – حيث اعتقل واستشهد بسبب نشاطه الصحفي على يد الحكومة العثمانية عام 1914 ، وتلاه الصحفي – بشار يوراجي- صاحب صحيفة (البوق) وأفرام آشور محرر صحيفة (الناقوس) الذي اعدم عام 1917 في مدينة تفليس . وبعد أن وضعت الحرب الكونية اوزارها ، وبسبب الاوضاع السياسية المستجدة في المنطقة وما افرزته من حالة مأساوية على الآشوريين عام 1933 والصراعات بين الشرق والغرب وممارسات القهر القومي اصاب صحافتنا القومية توقف شبه تام عدا بعض الصحف المدرسية والدينية وعلى نطاق محدود .ووجدت صحافتنا نفسها مكبلة بقيود قوانين المطبوعات المختلفة والسياسات العنصرية السائدة فكان لابد لها من أن تتوقف او أن تغادر حيث الاغتراب ـ الهجرة ـ خارج الوطن خوفاً من الاضطهاد وبحثاً عن الحرية الهاجس الاول للصحافة . وفي المهجر ظهرت عشرات الصحف مستفيدة من مناخ الحرية والانفتاح لتكون لسان حال الآشوريين المهاجرين ولتناصر قضايا الجماهير في الوطن . صحافتنا والرأي العام مع مرور الوقت وتقادم الزمن ازدادت اهمية الراي العام في التأثير على سير الاحداث في المجتمعات البشرية بسبب انتشار العلوم والمعارف ووسائل الاتصالات المختلفة التي عمقت من وعي وثقافة الجماهير وظهرت أصوات تنادي باصلاحات سياسية واجتماعية لاقت نجاحاً كبيراً فكان نصراً للرأي العام الذي غدا قوة مؤثرة على توجهات الجماهير وحسم الكثير من المواقف لقد واجهت صحافتنا الكثير من العقبات والمشاكل والمعوقات الموضوعية والذاتية كانت سبباً مباشراً في الحد من فعالياتها للقيام بدورها الوطني والقومي ، وحتى من تطويرها مما ادى الى عزلها او ابعادها عن التفاعل مع الجماهير التي تشكل الاساس في تكوين وترسيخ الراي العام ، وهذه الهوة بين الصحافة والجماهير ادت الى فقدان احدى الخصائص الهامة في تقويم الرأي العام الا وهي الوجه او التوجه التي ينحو اليها الرأي العام وتحيده الى الاتجاه المطلوب له ، أي أن غالبية جماهيرنا كانت تعاني من ما يسمى بنقص التوجه او القصور في اتخاذ وجهة معينة بسبب الخوف من التنكيل والاضطهاد فلم تكن واضحة في ابداء رأيها اما ارضاء للتخلص من حالة سلبية مفروضة عليها او التصنع بعدم المعرفة ، ثم أن الصورة القائمة في اذهانها يجعل الوضع المأساوي وحالة الياس لديها جعلها من النادر أن تغير آراءها عقب ورود انباء جديدة ومرد ذلك يعود الى عدم متابعة المعلومات في الصحف او عدم الاهتمام بالاحداث العامة ، مما ادى الى هزيمة نفسية للرأي العام وهنا برزت الحقيقة الاخرى في تكوين الراي العام والتي افتقرت اليها جماهيرنا وهي قوة او شدة الرأي العام التي هي مؤشر لمدى انشغال الجماهير بقضية او مشكلة ما فكانت الاراء عرضة للتغير والتذبذب لعدم الاستقرار والثبات في الموضع الذي يتعلق به الراي. ومن الاسباب الذاتية التي عانت منه صحافتنا والتي لم تشجعها على خلق الرأي العام هو قصر عمر الكثير من الصحف اما لعزلها لاسباب سياسية او توقفها عن الاصدار لاسباب وأعباء مالية وفي كلتا الحالتين لم تسنح لها فرصة كافية لعملية تراكم الخبرة في هذا المجال . اما صحافتنا في المهجر ورغم التباين في الظروف والاجواء فانها لم تكن في المستوى المطلوب منها لاسباب ذاتية صرفة كانت وراء تعثرها لاداء رسالتها في تعميق الوعي القومي بين المهاجرين وانتاج سبل التوجه لقضايا الوطن من الخارج لا سيما خطر القضاء على الشخصية القومية ، فلم تقدم تكتيكاً عالياً للصحافة ولا من اقامة علاقات مع الاوساط السياسة والثقافية هناك لتضمن وقوفها ، ولا أن تنشأ مؤسسة اعلامية تخصصية مشتركة بسبب غياب الفهم المشترك لقضية مشتركة تكون أساساً لقيام عملية المناقشة وابداء الآراء . وحتى نمتلك صحافة مؤثرة يتطلب الامر الفهم الواعي لواجب الصحافة في تحريك الجماهير والادراك العميق للواقع والتهيؤ لمواجهة المستقبل ، حيث أن قواعد العمل الاعلامي في حقل الصحافة يستوجب حسن فهم الجماهير حتى نستطيع أن نفهم افكارها بهدف التغيير والتطوير فالحديث عن الصحافة هو بالنتيجة الحديث عن الجمهور القارئ والعلاقة بين الاثنين علاقة تكاملية وصلة حميمة . اذن نحن بحاجة الى صحافة في ايدي صادقة تخلق الجمهور الجاد الباحث عن الخبر والمدرك لاهمية الكلمة كسلاح للمواجهة وتعمل على زيادة مساحة القراء ومعرفة دوافع القارئ الذي بات يقبل بنهم على قراءة الصحف ومتابعتها ومن ثم اغرائه بالمواصلة واشعاره بأنه بات جزءاً من الموضوع، أن عملية النهوض بصحافتنا القومية لكي تقوم بدور اكبر لقيادة الرأي العام باتجاه القضية يتحقق من خلال امتلاكنا لوسائل الاعلام المختلفة ومراكز دراسات وبحوث ودور للنشر والطباعة وان نواة ذلك قد تشكلت بفضل الدور الذي قامت به الحركة الديمقراطية الآشورية ، خاصة بعد انتفاضة اذار 1991 وتحديدا في اقليم كردستان العراق فاقيمت مؤسسات ثقافية ومنظمات جماهيرية ووسائل الاعلام وكم لابأس به من الاصدارات من صحف ومجلات وكراريس اقتحمت حالة الفراغ الاعلامي الذي كنا نعيشه سابقا انعشت الوعي الجماهيري واحدثت تاثيرها في تنمية المفاهيم القومية لابناء شعبنا . وبعد التغيير الذي حصل في الوطن عموما بعد عام 2003 تضاعفت لدينا وسائل الاعلام المختلفة ومنها الصحافة الالكترونية لكن هل استطاعت ان تمارس طريقة منظمة لدراسة تاثير الصحافة على تكوين الرأي العام لدى ابناء شعبنا وتوجيهه نحو الوجهة المطلوبة والتي ما زالت جماهيرنا تفتقر اليه وهي شدة الرأي العام الذي هو مؤشر لمدى انشغال الجماهير بقضية او مشكلة ما؟ نعتقد ان المتلقي من ابناء شعبنا لا يزال يعيش في حالة التيه والتردد بين صدف الاهتمام بقضيته وبين صورة صحافتنا الباهتة المتأثرة بمواقف حزبية وعواطف شخصية مستفيدة فبات الجمهور يعيش حالة الاغتراب والاحساس بالتهميش ليس من قبل الغير فقط لكن حتى من لدن مؤسساتنا الاعلامية بتوجهاتها المختلفة وذلك لعجز جماهيرنا عن ملاحظة الحقائق ومعرفتها وتغييب دورها في تصحيح الاخطاء وهذا تفريغ للمعاني السامية لمهنة الصحافة التي وجدت اساسا لخدمة الجماهير .وختاما نتمنى ان تكون الذكرى المائة والستون (160 ) لتاسيس اول صحيفة قومية ( زهريري دبهرا ) مناسبة لمراجعة الذات وتقييمها لغرض النهوض بواقع صحافتنا الحالية نحو الافضل مع تحياتنا الى صحفيينا في الوطن والمهجر.. المصادر: 1- فن الاعلام / موريس أديب جهنان. 2- الدولة / جاك دونيو دفاير ترجمة د. سموحي فوق العادة . 3- حرب الكلمة / نزار جرجس علي . 4- اعداد مختلفة من مجلة افاق عربية . 5- مجلة نجم بيث نهرين العدد الاول .