القراءات: 1809
2040-09-07
من تراثنا العسكري .. نظرات في الجيش الآشوري
من تراثنا العسكري .. نظرات في الجيش الآشوري هرمز موشي يتناول الموضوع بيان العوامل التي ساهمت في ترصين قوة الجيش الآشوري وتمكينه من تحقيق الانتصار وفي البداية بحث القواعد الدائمة ( المعسكرات ) في العواصم والمعسكرات المتــحركة خارج العواصم الآشورية تهدف إلى اختصار عامل الوقت بالتزود بالمؤن والخــيول والســـــلاح ويتطرق الموضوع إلى استخدام وسائل النقل كالعربات والعجلات الصغيرة التي تجرها الخيـــول والبغال وأحيانا الجند ووسائط عبور النهر كالقوارب و الأطواف والقرب المعمولة من الجلد ودور المخبرين ( الاستخبارات ) في تزويد الملك بالمعلومات عن العدد والانتشار على الطرق التي يسير فيها الجيش لتأمين سلامة الطرق من الكمائن المعادية والتطرق إلى المجموعات الخاصة المدربة للعمل خلف خطوط العدو لإرباكه وبث الرعب في صفوفه. وبالنسبة للحرب النفسية ويتطرق الموضوع إلى أسلوب استعراض القوة والمناورة بالقرب من حدود الأعداء وإلى استخدام الوسائل الإعلامية لنشر الإشاعات والتهديد المباشر واستخدام المنحوتات التي تبين قوة وعظمة الجيش الآشوري واستخدام رجال الدين في إثارة الحماس ورفع معنويات الجند وإجلاء المتمردين إلى العاصمة الآشورية أو إبعادهم إلى أماكن أخرى . المقدمة امتازت بلاد وادي الرافدين بظهور أولى الحضارات الأصيلة التي ظهرت في التاريخ الإنساني , فيها اخترع الحرف وظهرت الكلمة التي حفظت لنا الصورة وخير مادة عرفها العراقيون في تدوين الكلمة هي الطين المادة التي تحدت عاديات الزمن وحفظت لنا تراث هذا البلد العريق لآلاف السنين الذي أثرى الإنسانية بشتى جوانب الحضارة وألوانها ومن ألوان هذه الحضارة اللون العسكري الذي برع فيه الآشوريون والذين امتد نفوذهم على معظم الشرق الأدنى القديم مدة طويلة تجاوزت الثلاثة قرون من الزمن ويعود سبب تفوقهم إلى عوامل كثيرة منها نفسية وبيئية وحضارية إضافة للظروف التاريخية التي مر بها مما اكسبهم خبرة عالية بالأمور الحربية من صناعة للسلاح وفن استخدامه . لم يعتمد الجيش الآشوري في تفوقه على الكثرة العددية وقوة سلاحه حسب إنما استطاع الآشوريون حشد كافة الإمكانيات السوقية والتعبوية ووظفوها في خدمة جيشهم وهنا لا أريد أن أتطرق إلى صفوف الجيش وإنما إلى العوامل المساعدة التي ساهمت بشكل أو بأخر في ترصين قوة الجيش وتمكينه من تحقيق الانتصار . القواعد الثابتة والمتحركة كانت حاجة الجيش الدائم إلى قواعد دائمة ( معسكرات ) وتلك القواعد كانت موجودة في العواصم المتعاقبة للدولة الآشورية ( آشور , نينوى , نمرود , خرسباد ) وتسمى تلك القواعد ب ( المعسكرات ) ( ايكال متسارتي ) ونتيجة لتطور الجيش وضخامة أعداده وأصبحت هذه المعسرات غير قادرة على استيعاب الجند وباتت صغيرة نسبة إلى الأعمال المناطة بالجيش وان بعض الملوك قد وضحوا ذلك حيث يخبرنا الملك الآشوري اسرحدون بقوله ( إن ميدان نينوى والذي أقامه الملوك الذين سبقوني أصبح صغيرا لتدريب الخيل وإجراء التمارين الخاصة بصنف العربات إضافة لتجهيزات المعركة والغنائم ) . وأشارت نصوص أخرى أن الأسلحة والمعدات الخاصة بصفوف الجيش كانت تخزن في مثل هذه الأماكن إضافة إلى الصنف الإداري الذي يضم الكتبة والمسؤولين عن العينة وكان واجب هذه المعسكرات الثابتة في العواصم التي تضم مجموعة من الجند بمختلف الصنوف والمدربة تدريبا عاليا كقوة طوارئ تحت تصرف الملك لردع أية تهديدات أو تحديات تمس أمن الدولة ويعد شلمنصر الثالث الذي حكم في القرن التاسع أقدم مؤسس هذه المعسكرات في مدينة نمرود ( كالح ) وهناك معسكرات متحركة وغالبا ماتقع خارج العواصم الآشورية وهدفها اختصار عامل الوقت للتزود بالمؤن والخيول والسلاح وشملت المدن والمستوطنات الآشورية والتي سميت بأسماء أشورية جديدة وكان الجيش الآشوري يجند معظم الناس القادرين على حمل السلاح أثناء الحملات العسكرية بغض النظر عن انتماءهم العرقي ويصل تعداد الجيش في الحملات الكبيرة إلى مئات الآلاف حيث يذكرنا الملك الآشوري سنحاريب ( القرن السابع ق.م ) في معركته خالوبي ضد العيلاميين ( الفرس ) أنه قد كبد العيلاميين أكثر من 150000 ألف قتيل. فإذا كانت الخسائر بهذا الحجم فأن عدد الجيش الآشوري يكون مقاربا لجيش العدو ان لم يكن أكثر عددا منه . الاتصالات من الطبيعي إن نجاح أي عمل عسكري لابد وأن تسبقه استحضارات دقيقة حيث إن معظم المقاطعات المكونة لخارطة الشرق القديم والتي تقع خارج سهول بلاد وادي الرافدين غالبا ماتحد العراقيل الطبيعية عملية التقدم كالجبال الوعرة والقمم الصخرية والصحارى الواسعة والانهار وروافدهما . والجيش الآشوري يمتلك عدة وسائل للنقل كالعربات والعجلات الصغيرة التي تجرها الخيول والبغال وأحيانا الجند وهناك صنف الهندسة والمختصين بتسهيل مهمة سير العجلات وإذا اقتضى الأمر السرعة فيكون الترجل واستخدام الخيل فقط في الأماكن الوعرة أما عبور الأنهار لم تكن مستحيلة بالنسبة للجيش الآشوري فكان الجيش يمتلك الوسائل اللازمة كالقوارب والاطواف والقرب المعمولة من الجلد وخير مثال على ذلك عندما تصدى الملك سنحاريب للعيلاميين في جنوب غرب إيران حيث يقول ( جلبت صناع السفن الفينيقيين من اجل عمل سفن في نينوى وأبحرت بها نزولا مع نهر دجلة ونقلتها عبر احد الروافد إلى نهر الفرات وصولا إلى الخليج واستخدمت لنقل الجنود والخيل . وتشير المصادر التاريخية إن المعركة التي قادها سنحاريب تعد من اكبر المعارك البحرية والتي انزل بها هزيمة ساحقة بالعيلاميين الفرس , واحتل المخبرون أي صنف الاستخبارات مكانة مهمة وخطيرة في الجيش الآشوري وكان واجبهم تزويد الملك بالمعلومات عن الأعداء وتحركاتهم ومقدار القوة المعادية وتجهيزها وتسليحها إضافة إلى ذلك كانت هناك قوة من هؤلاء تنتشر على الطرق التي يسير فيها الجيش لتأمين سلامة الطرق من الكمائن المعادية , وهناك صنف أخر من الفرق الخاصة المدربة تدريبا عاليا وواجبهم العمل خلف خطوط العدو وفي معسكرات لإرباك العدو وبث الرعب في صفوفه . الحرب النفسية لقد فاق الآشوريون معظم أقطار الشرق الأدنى القديم باستخدام الأساليب المتقدمة في الحرب و لا عجب في ذلك إذا ما كان هدفهم إشاعة الأمن والرخاء في أرجاء الإمبراطورية المترامية الأطراف. ومن الأساليب التعبوية الخاصة بالحرب النفسية هي استعراض القوة والمناورة بها, فمثلا نرى الجيش الآشوري يقوم بأشبه ما يعرف في العلم العسكري اليوم بالمناورة , حيث أكدت لنا المخلفات الكتابية ذلك , حيث يبادر الجيش بكامل تجهيزاته ومعداته الحربية بأجراء مثل تلك المناورات بالقرب من حدود الأعداء لإظهار قوة الجيش وبث الرعب في صفوف الأعداء أو الذين يحاولون التمرد على سلطة الدولة , ومن جملة ذلك يخبرنا الملك الآشوري سنحاريب انه قام بالمناورة واستعراض قوات ضد عيلام فمات الملك العيلامي خوفا. كما استخدم الآشوريون الوسائل الإعلامية الأخرى لنشر الإشاعات داخل بلاد الأعداء إضافة إلى استخدام أسلوب التهديد المباشر وبلغة الأعداء نفسها كما فعل الملك الآشوري سنحاريب في حربه ضد دويلة يهودا حيث أرسل احد كبار ضباطه ونصحهم بعدم جدوى معاداة الملك الآشوري وكان الضابط الآشوري يتحدث باللغة بالعبرية مخاطبا إياهم بقبول السلام وتقديم فروض الطاعة للملك الآشوري . ومن الأساليب الأخرى هي المنحوتات الجدارية التي كانت توضع في القاعات باستقبال الوفود والسفراء المعتمدين لدى بلاد أشور والتي تبين قوة الجيش الآشوري وعظمته ومصير الذين وقفوا ضده وما أصابهم من ويلات ودمار . ومن الأمور المهمة التي لها علاقة بالمعنويات فأن العراقيين القدامى حجبوا ذكر الخسائر في المعارك وحتى الأعداد المشاركة في المعارك بينما راحوا يعطون تفاصيل دقيقة عن الخسائر البشرية والمادية للعدو وبخاصة أسلحتهم المهانة كما قاموا باستخدام رجال الدين يثيرون الحماس ويرفعون من معنويات الجند وبث روح القتال ضد أعداء البلاد الطامعين كما عمل الفنانون على تصوير وقائع المعارك وعمدوا على عدم إظهار أي دليل يؤكد ضعف أو قتل جندي آشوري لان الجندي الآشوري لا يموت في المعركة لأنه يخوض المعارك من اجل الآلهة والملك والبلاد . ومن الأساليب الأخرى ذات المردود النفسي إجلاء المتمردين من مناطقهم ونقلهم إلى العاصمة الآشورية أو إبعادهم إلى أماكن أخرى توجد فيها بؤر للمشاكل فوجودهم هناك قد يؤثر على الذين تسول لهم أنفسهم بالتمرد على بلاد آشور . الخاتمة يبدو مما تقدم إن الأمة الآشورية التي امتازت بالتفوق العسكري جندت لجيشها أفضل الأسلحة وأكثرها مضاءا إضافة لما يمتاز به جيشها بأنه أفضل جيوش حينها عدة وتدريبا وتنظيما ونتيجة لذلك أدرك الآشوريون أهمية العامل البشري حيث لم يدخروا وسعا في حشد كافة الطاقات والإمكانات ووظفوها في خدمة جيشهم , كان لتوسيع الدولة وترامي أطرافها حيث أصبحت الحاجة ملحة إلى تحسين الطرق والمسالك التي تربط فيما بينها مما أدى إلى تطوير صنف الهندسة العسكرية كذلك إيجاد معسكرات خاصة دائمة ومتحركة لتكون القوات على أهبة الاستعداد لأي طارئ , إضافة إلى ذلك كان للعامل النفسي أثره الكبير في تقوية معنويات الجند وإثارة الحماس في صفوفهم وبث الرعب في نفوس أعدائهم ويعد الآشوريون أول من أتقن أساليب الحرب النفسية بشكل علمي والتي تضمنت وسائل الدعاية الكتابية وكذلك المنحوتات الجدارية التي أبرزت قوة الجيش الآشوري وتفوقه كذلك تبنى الآشوريون سياسة ترحيل الأقوام التي تثير الشغب إلى مواقع أخرى مختارة من قبل الدولة لتسهيل مهمة السيطرة وفرض الأمن عليها . المصادر 1- الدكتور فاضل عبد الواحد , الدكتور ناصر الراوي ( دراسة مركزة في نقاط الفكر العسكري العراقي القديم ) مركز بحوث والمعلومات ( مجلس قيادة الثورة 1986 ) . 2- الدكتور فاروق ناصر الراوي ( التحدي الحضاري للأمة ) الندوة الفكرية الثانية في فكر صدام حسين 5/5/1984 . 3- طالب منعم حبيب , سنحاريب , سيرته ومنجزاته ,رسالة ماجستير جامعة بغداد 1986. 4- الدكتور فاروق ناصر الراوي ( التعبة وأساليب القتال في الجيش الآشوري ) الجيش والسلاح ج2 بغداد 1987 . 5- Grayson.A.K.assyrian royallnscqtion.wiesboden.. 1987. 6- Sags.H.W.Fthemighr that was Assyria London . 1984 . 7- Reade.d. (ldeology ond propaganda in Assyrian art)Mesopotamia.