القراءات: 171
2040-04-06
على صعيد إدارة الحكم والسلطة في العراق
على صعيد إدارة الحكم والسلطة في العراق ) اعداد- رمزي عقراوي remziakrawi@yahoo.com ولعل الهدف الاساسي لعملية التثقيف المطلوبة والاهمية البالغة التي نعلقها على ضرورة نشر مفهوم الديمقراطية ومبادئها في الحرية هو محاولة اخراج المواطن العراقي من تقمص دور المخبر الذليل الخائف من السلطة والممسوخ في رايه وفكره ووعيه وكيانه الشخصي والاعتباري والعمل بكل الوسائل على اعادته الى ذاته الحرة المستقله وشخصيته المتوازنة ودفعه للتمسك بمبادئ المواطنة وحقوقه الانسانية الطبيعية كحرية الراي والتعبير والحريات العامة الاخرى المعروفة في جميع انحاء العالم المتمدن وفي مقدمتها حريته الشخصية وكرامته وحقوقه المنصوص عليها حرفيا بالدستور والقوانين وتلقينه ضرورة المطالبة الجريئة بها والنضال من اجل الحفاظ عليها . ان عوامل وامكانية توفير الثراء والرخاء والسعادة والحرية والتقدم السريع للشعب العراقي موجودة ومتوفرة بشكل اكيد وعلى نطاق واسع وذلك من خلال وجود الثروات الهائلة المتعددة المصادر في البلاد ووجود الشعب المتصف بالجدية والابتكار الاستثنائي منذ فجر التاريخ غير ان ذلك كله لايمكن ان يتحقق باي حال من الاحوال قبل توفير شروط اساسية : - الاستقرار السياسي - الحرية الحقيقية غير الموجهة - سيادة القانون لذلك ومن هذا المنطلق يتحتم على جميع البرامج الوطنية السياسية في العراق ايلاء هذه الحقائق الكبرى غير القابلة للتاجيل الاهمية القصوى في التنفيذ والتطبيق الفعلي غير المزيف. - ان مجموع التجارب الفاشلة والخسارات الفظيعة التي منيت بها البلاد بشريا واقتصاديا وزمنيا- منذ سقوط البعث البائد وحتى الان. بسبب المناهج السياسية الفئوية والتطبيق القسري للبرامج العنصرية المنحازة التي حاولت تجاوز هذه الحقائق/ الاستقرار السياسي - الحرية الحقيقية غير الموجهة - سيادة القانون والعدل / ان فضل تلك التجارب اصبح كافيا لاقناع الجميع بضرورة الاهتمام بهذه الحقائق وتطبيقها على نحو صحيح وصادق كمقدمة حتمية لابد منها لتحقيق الرخاء والسعادة والتقدم وهي الاهداف الحيوية التي نادت بها جميع الاحزاب والكتل السياسية والقادة الوطنيون ووعدوا الشعب بها ملوحين بها للجماهير كوعود نظرية بقيت بعيدة عن التحقيق العملي بينما كان ما تحقق في ارض الواقع المزيد من الدكتاتوريات العسكرية المتعاقبة على الحكم في العراق والمزيد من تعطيل القوانين و ترحيل المواطنين وتهجيرهم وانتشار الفساد والابعاد الفعلي المتزايد للشعب عن اية مشاركة حقيقية في الحياة السياسية في البلاد والاتساع المتعاظم لدور الميليشيات و العصابات و القتلة الاوباش والمنظمات الارهابية و المؤسسات الامنية في الحياة العامة للوطن والمواطن . كذلك لابد وان نلاحظ ان اكثر المناهج اساءة للديمقراطية وتقاليدها الرائعة هو التطبيق المبتور والسئ لها في بيئة غير مهيئة وغير مؤهلة نفسيا وثقافيا وسلوكيا وتاريخيا . ان الانسان العراقي بوضعه الراهن وقد توارث خمسة الاف سنة من العنف الدموي والروح الدكتاتورية والسلوك الفردي التسلطي وقبل ان يتعلم روح الديمقراطية واسلوبها ويتدرب على تطبيق تقاليدها وقوانينها وكيفية ممارستها وكذلك شكل الكفاح من اجل صيانة حقوقه وحقوق الاخرين داخل نظامها وقبل ان يتلمس فوائد الحرية وانعكاساتها على حياته اليومية ، هو عاجز عن ممارسة الديمقراطية بمعناها الصحيح او الخضوع لقوانينها او تقبل الانصياع لنتائجها . (ان اشد العراقيين مناداة بالديمقراطية واكثرهم التزاما نظريا بتطبيقها اليوم يمكن ان يتحول خلال بضعة دقائق من التحدي والمواجهة والنقاش المثير الى وحش مفترس لا يتردد ان يمزق لحم محدثه من الراي الاخر ويعاديه وينكل به باقسى الاساليب الدكتاتورية و الوسائل العسكرية واكثرها تخلفا وهمجية..). لقد عمقت الدكتاتوريات التي توالت على السلطة في العراق قديما وحديثا لدى المواطنين روح التبعية الفردية والتسلط والانانية وعبادة الاشخاص والحكام والنزوع نحو العنف والخشونة والسلوك الذاتي البعيد عن الروح الجماعية كما شجعت لديه روح النميمة والوشاية والنفاق، وهي بذلك قد اضافت بعدا اخر من التخريب في الذات العراقية كانت قد تولته منذ قرون مجموعة العوامل التاريخية والجغرافية القديمة كما اسلفنا . لذلك حتى اذا توفرت الفرصة الطبيعية لاقامة الديمقراطية وافسح المجال امام الشعب العراقي لممارسة الحياة الديمقراطية الحرة، فمن المرجح ان يمضي وقت طويل قبل ان يتدرب المواطن العراقي على منهج التفكير الحر وكيفية التعامل مع المفاهيم الديمقراطية وكيف يبتعد عن روح التفرد والبطش والعنف والتبعية والسلوك الكيدي الانتقامي والقبلية الظالمة والمنهج التسلطي ويمتنع عن السلوك المتسم بالانفعال وردات الفعل الفورية. ان مثل هذا الامر يجب ان يكون مدروسا ومحسوبا لدى السياسيين العراقيين والمعنيين بهذا الشان لكي تعطى التجربة الديمقراطية فرصة اكبر للنجاح والتغلب على الاخطاء والمشاكل الاعتراضية التي يمكن ان تبرز على نحو واسع وتخريبي ومفاجئ خلال التطبيق والممارسة العملية في المراحل الاولى .. ولعل هناك من يرى ان ممارسة الديمقراطية لا تحتاج الى كل هذه الاحترازات والتعقيد والتدريب الذي نتحدث عنه، وان الشعب يعرف مصلحته ويعرف اين يضع ثقته..الى اخره من العبارات والاحكام التي يمكن ان نصفها بالمتفائلة اذا احسنا الظن او الملغومة اذا اردنا ان نستخدم بوصلة الحذر مما يمكن ان تضمره من نوايا مستقبلية غير مقروءة. وردا على ذلك يمكن ان نقول ان خصوصية الارث الدكتاتوري المتراكم فوق ارض الرافدين يمكن ان يقضي على أي تجربة ديمقراطية وليدة قد تنشا في هذه البلاد ويجعل منها ريشة في مهب الريح اذا تركت تلك التجربة تحت رحمة الاخطاء والنواقص وغياب الخبرة والنزعة الدكتاتورية المحفورة عميقا في الذات العراقية . كذلك فانه من غير اللائق على الحركة السياسية العراقية والمجتمع العراقي باكمله- في الوقت الذي تودع البشرية فيه القرن العشرين بعد الميلاد- ان تبرز من جديد تلك الصور المخزية من التحريف والتزوير في الممارسة الديمقراطية مثلما كان يحصل في بدايات ما سمي الاستقلال الوطني في النصف الاول من هذا القرن على الرغم ان تلك الممارسات التحريفية المخجلة بدت لنا فيما بعد افضل بكثيرمن كل ما حصل من انتهاكات دموية صارخة لحقوق الانسان وحياته في العراق بعد سقوط النظام الملكي. وعلى ضوء ذلك كله يمكننا القول ان من اولى واجبات انجاح الديمقراطية وتوفير المناخ المناسب لتطبيقها هو تحويلها بقوة القانون الى مادة تعليمية منهجية ملزمة تدرس للاجيال العراقية كعلم من علوم الحياة التطبيقية وعلى نحو جدي في مستويات التعليم المختلفة في كافة مدارس ومعاهد وجامعات العراق على ان يراعى اختيار ووضع المنهج التعليمي لهذه المادة الاخذ بعين الاعتبار الجانب التطبيقي والتمرين العملي على كيفية فهم وتقبل وجود الراي الاخر وحرية الاخرين اضافة الى ذلك فان المستلزمات الضرورية التي تقود الى نجاح الديمقراطية ايضا كمنهج سياسي في حياة البلاد هو العمل الجاد من خلال مجموعة من القوانين والقرارات العملية لتحقيق استقلال القضاء وتمتعه بالحرية الحقيقية وعدم المساس به ورفع مستواه العلمي والاداري والفني ولجم كل المحاولات للتطاول على قراراته او الالتفاف عليه، كذلك تزويده بالصلاحيات الواسعة النافذة وتحويله الى درع حقيقي لحماية القوانين والحريات العامة. ان السير الجدي في هذا الطريق سيدفع المجتمع باكمله للسير في طريق الحياة المدنية المستقرة والامنة في ظل القوانين النافذة وهو وحده الكفيل باعادة الحياة الى الراي العام في البلاد واعادة النشاط والفعالية الحقيقية اليه، لانه يمثل احد الضمانات الاكيدة والبالغة الخطورة في مسيرة الحياة المدنية التي هي المناخ الضروري لنمو الديمقراطية ونموها. (ان مجتمعا يفتقد للراي العام الحر الشجاع المستقل يمكن ان يتحول بالتدريج الى مجموعة من المخبرين الذين يتسابقون في ايذاء بعضهم البعض، وايذاء القيم الاخلاقية والاجتماعية من اجل ارضاء ساطور الدكتاتورية المسلط فوق روؤسهم جميعا...اما في احسن الاحوال فان مثل هذا المجتمع سيتحول الى مجموعة من الامعات فاقدي الراي والشخصية والموقف تقودهم السلطة الدكتاتورية الى حيثما تشاء من المهالك والمآزق المصيرية المدمرة..). واذا كان لابد من تلخيص مكثف للنقاط والمواضيع انفة الذكر الخاصة بالحلول الواقعية الكفيلة باخراج العراق من دوامة العنف الدموي والنظم الدكتاتورية- على ضوء التحليل السابق والاستعراض العام للوقائع التي تشكل التركة الهائلة من احداث العنف الدموي ومسيرة الدكتاتوريات المتعاقبة والاضطهاد والظلم وسفك الدماء فبامكاننا ان ندرج النقاط التالية: 1- اعتماد الديمقراطية والتعددية و المنهج الاتحادي كنظام للحكم السياسي وكاسلوب ومنهج لحياة الشعب العراقي سياسيا واجتماعيا ولايمكن تطبيق الديمقراطية في العراق في الظروف الراهنة الا بعد توفر عدد من الشروط اهمها : أتثقيف الشعب العراقي وتربيته على الروح الديمقراطية ليستطيع تقبل المنهج الديمقراطي في الحياة بعد ان اعتاد على الفردية والدكتاتورية ومنهج التسلط لقرون عديدة من تاريخه. بالقيام بحملة توعية ثقافية واسعة وطويلة الامد للتاثير على قناعات الفرد العراقي والشارع العراقي وتبديلها كي يكون مؤهلا لتقبل الحلول الديمقراطية على كافة الاصعدة الحياتية ويبتعد عن اسلوب الانقلاب عليها والعودة للمنهج الفردي التسلطي. ج- اقرار خطة عامة تعليمية تربوية تشارك فيها مؤسسات الدولة ووزاراتها المعنية لنشر الوعي الديمقراطي في المجتمع وادخال ذلك ضمن مناهج التربية والتعليم الالزامية المقرة رسميا . 2- اعادة احياء الراي العام العراقي الحر الذي سحق ومات وتلاشى تاثيره تحت سياط الخوف والرعب وضربات الدكتاتوريات المتعاقبة، ليكون سندا وداعما للعملية الديمقراطية المنتظرة ومن الممكن وضع خطة تفصيلية تنفيذية لانجاز وتحقيق هدف انهاض الراي العام العراقي واعادة وجوده وكيانه وشخصيته وفعاليته السياسية والاجتماعية خلال فترة قصيرة في اطار الحريات العامة . 3- اقرار خطة جريئة تطبق بواسطة اجراءات تنفيذية حازمة لتعزيز وتقوية السلطة القضائية بكل ابعادها ومفاهيمها والارتقاء بها الى مستوى رفيع (اداريا وماليا و اجرائيا) واعطائها الحرية الكاملة والصلاحيات الواسعة الحقيقية لتكون قادرة ليس على الدفاع عن القوانين وحماية حقوق المواطن وحياته فحسب بل لتشكل ضمانة فعلية لحماية الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية وصيانة المنهج الديمقراطي عموما في البلاد. ولتشكل عائقا امام عودة الدكتاتورية الدموية للحكم. وفي ذات الوقت تبقى ملجأ امنا وحياديا يحمي المواطن ويصون حريته الشخصية والسياسية والاقتصادية من الاعتداء والاغتصاب والتجاوزات خصوصا في المراحل الاولى ريثما يتفتح وعي المواطن وتنطلق شجاعته المكبوتة والمسحوقة ليتوجه نحو التشبث بحقوقه المدنية التي يصونها القانون والدستور ولا يتنازل عنها او يتخلى عن المطالبة بها والقتال من اجلها وعند ذاك يتحول مجموع افراد الشعب الى قوة ردع حقيقية مرعبة ضد من يريد التطاول على حقوقه. ان ايصال المواطن الى هذا المستوى من الوعي والالتزام الاجتماعي الفعلي بحقوقه المدنية يعني ان الدولة قد استطاعت توفير السلاح والحماية الاقوى والامضى في مواجهة كافة النزعات الدكتاتورية على كل المستويات واوجدت الضمانة الاكيدة لحماية الشعب من العودة لمنهج العنف الدموي وردات الفعل الهمجية التي هي من المقدمات الاولى لاشاعة المناهج الدكتاتورية من جديد . ان انجاز مثل هذه النقاط الاساسية انفة الذكر والكفيلة بنقل البلاد من حالة الى اخرى وفق منهج فكري سياسي استراتيجي يهدف لتطبيق الديمقراطية (النظرية العالمية ذات الابعاد والمواصفات المعروفة) قد يتطلب في العراق فترة زمنية انتقالية قصيرة يحدد زمانها مسبقا على ان يتم خلالها انجاز كل متطلبات نقل حالة البلاد والمجتمع والسلطات بالكامل الى عصر الديمقراطية الحقيقية المرتكزة على : أدستور دائم يصون الحريات بكل اشكالها ومستوياتها على ان يحمي هذا الدستورفي المرحلة الاولى على الاقل من حياة البلاد الديمقراطية، بمواثيق مقرة ومكتوبة وموقعة من جميع الهيئات والشخصيات ذات الشان في البلاد تحت اشراف دولي محايد منعا للانقضاض والانقلاب عيله. بسلطات قضائية حرة وذات نفوذ فعال وقوة اجرائية حقيقية نافذة مستندة الى القوانين التي يوكدها ويحميها الدستور الدائم . ج- برلمان ديمقراطي حر منتخب و ليس صوري او مفتعل . د- مواطن حر وشجاع واع لحقوقه تحميه القوانين النافذة والسلطات القضائية الحرة هـ - راي عام عراقي شجاع ذو سلطة مؤثرة وفعالة يستمد قوته من الوسائل الديمقراطية المشروعة والمعروفة والمنفذة في جميع بلدان العالم/ الصحافة- الاعلام الحر- التنظيمات النقابية – الحريات العامة في التظاهر والاحتجاج والاضراب...الخ. لعل هذا هو ما يشكل الاساس العملي والواقعي لحل المعضلة العراقية المعقدة القائمة في البلاد على صعيد ادارة الحكم والسلطة. اما المشاكل والمواضيع الاخرى الفرعية فيصبح من السهل جدا تنظيمها بخطط وتشريعات خاصة تعرض على المؤسسات الدستورية الشرعية ذات الاختصاص لاقرارها واعطائها الصفة القانونية حينما يتوافر حسن الظن و النية المخلصة . يبقى ان نذكر اخيرا بان ما يمكن ان يظهر للوجود من اخطاء ونواقص ومخالفات او تجاوزات قليلة او كثيرة خلال التطبيق العملي للديمقراطية في البلاد سيبقى اخف وارحم بما لايقاس عن ذلك الهدر اليومي للدماء وللكرامة الانسانية التي يعيشها الانسان العراقي في ظل الماساة المحزنة التي كانت وما زالت تدور بالعراق دون توقف منذ عشرات السنين وحتى اليوم .