القراءات: 368
2016-06-17
الدكتورة ايلدا رمسن ابرم .. الغربة لم تثنيني عن تحقيق طموحاتي العلمية.. والاهتمام بقضايا شعبي من اولوياتي..

 

حاورتها : حنان اويشا

 

مثال للجد والمثابرة .. ترعرعت على حب الوطن والاعتزاز بانتمائها القومي ..وحياة الغربة لم تثنيها عن تحقيق آمالها العلمية ومن خلالها شغفها بابراز تاريخ وثقافة شعبها.. حيث نالت شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعات اميركا وكندا عن رسالة واطروحة حاولت عبرها تحقيق ولو جزء يسير من طموحاتها واحلامها تلك ، وما يزال حرصها يدفعها نحو التواصل في مسعاها كباحثة اكاديمية وعبر برامج ومشاريع مع مؤسسات عالمية التقت مع افكارها ورؤاها..

انها الدكتورة (ايلدا رمسن ابرم) التي التقيناها خلال زيارتها للوطن مؤخرا واسعدنا بحديث معها تعرفنا فيه عن جوانب من حياتها واهتماماتها ومشاريعها المستقبلية، والبداية داىما تكون من اين بدأت ..؟  

ـ منذ طفولتي ترعرعت في عائلة اهتمت كثيرا بكل مفردات ثقافتنا القومية وخاصة لغتنا الام السريانية.. فقد كان جدي ابرم بنيامين مهتما كثيرا بالقراءة والكتابة بها، وكان يرسم ويخطط لوحات فنية بها، كما كان لأبي ألمام واهتمام كبير ايضا بها، وحين كنت في العاشرة من عمري كنا نذهب الى كنيسة مار كوركيس في بغداد لنتعلم هناك ايضا اصول وقواعد لغتنا ..لذلك انا تعلمت وأدقنت السريانية قبل العربية.

حديثنا عن حياتك بعد مغادرتك العراق.. كيف بدأتي حياتك هناك؟

ـ غادرت عائلتي العراق بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 وتوجهنا الى الاردن ومن ثم الى سوريا وبعدها الى كندا حيث كان استقرارنا هناك، كنت حينها في الثالثة عشر من عمري ، وفي البداية واجهت صعوبات كثيرة طبعا.. فقد كان علي ان ادرس في الصف الثامن، وفي الصف التاسع تبدأ مرحلة الاعدادية، ولم اكن اتقن اللغة الانكليزية.. لذلك كان لابد من بذل جهود مضاعفة من اجل تعلمها ، وبدأت بتعلم المصطلحات العلمية اولا تلك التي تستخدم في دروس الرياضيات والعلوم وكنت اجدها الاسهل لانها مصطلحات ثابتة.. وقد استطعت من تخطي هذه المرحلة بتفوق وحصلت على معدل جيد اهلني لدراسة علم البايولوجي ولكنه لم يكن المجال الذي رغبت فيه كوني احببت دراسة الطب منذ صغري، ولكن لم اتمكن من ذلك ، لذلك نصحني اساتذتي بدراسة علم النفس الذي هو الاقرب الى الطب وهذا ما حصل فعلا وانهيت دراستي الجامعية بعد اربع سنوات في هذا المجال ، وكوني محبة لمجال التدريس، فقد درست سنة اضافية لاتمكن من مزاولته.

 

ماذا عن نيل الشهادات العليا .. ما مدى اهميتها لديك ؟ 

 

ـ شجعني اهلي كثيرا على عدم الاكتفاء بشهادة البكالوريوس، وابدوا استعدادهم لمساندتي، لذلك بدأت افكر مليا بالموضوع، وفعلا اتخذت قراري بالتواصل في الدراسة  وقدمت لدراسة الماجستير.. وفي حينها كان لنا نشاطات في اتحاد الطلبة في كندا وكان له فعاليات ومؤتمرات تهتم بتاريخ شعبنا ولغته وآثاره ، وخلال حضوري لهذه النشاطات تعرفت على الدكتور امير حراق وهو من اهالي مدينة الموصل ومدرس في جامعة تورنتو ومختص في الدراسات السريانية، وعرضت عليه رغبتي بان تكون رسالتي للماجستير في مجال الدراسات السريانية وتحديدا في موضوع (المجتمع المدني في سهل نينوى) .

لماذا اخترت هذا الموضوع ؟

ـ لان المنطقة يقطنها اغلبية من ابناء شعبنا، ولها ارث تاريخي وحضاري، وهي زاخرة بالصروح والاماكن التي تدل على اصالة ابنائها، كما ان هناك الكثير من المصادر التي يمكن الاعتماد عليها من قبل الباحثين، منها الكتابات والمخطوطات التي تركها الاباء في الكنائس والاديرة والممكن الاستفادة منها بشكل كبير.. لذلك بعد البدء بالرسالة زرت الوطن لاول مرة عام 2007   والتقيت بالعديد من ابناء المنطقة ووجهائها وبالاباء الكهنة، وبعد قضاء اكثر من 20 ساعة استطعت تحضير مادة جيدة عن سهل نينوى وما هي الصعوبات التي تواجهها للحفاظ على معالمها وتراثها.. تمكنت من نيل شهادة الماجستير، وبعدها تزوجت وانتقلت للعيش في ولاية واشنطن، ورغبت بالعودة الى  التدريس مرة اخرى ، الا ان اساتذتي واهلي وزوجي جميعهم شجعوني على اكمال مشواري العلمي ونيل الدكتوراه .. وفعلا  بذلت ما بوسعي وتقدمت للدراسة من خلال جامعة واشنطن وبعد ان وقع اختياري هذه المرة على دراسة التاريخ، فعرضت افكاري على الاساتذة هناك وشجعني احدهم الذي كان مختصا بتاريخ الشرق الاوسط في العصر الحديث.. وقد اخترت ان يكون جل اهتمامي هو تاريخ الاشوريين في سوريا والعراق ، وبالنسبة لسوريا لم اتمكن من التواجد فيها بسبب الاحداث التي جرت فيها لذلك ركزت على العراق وبعض القرى السورية القريبة منه، وايضا على ابنائها الموجودين في دول الغرب.

على أية جوانب ومحطات تاريخية ركزت في اطروحتك للدكتوراه ؟

ـ ركزت على دور ابناء شعبنا في الحراك السياسي والثقافي في الوطن ، وكيف نقيم وجودهم وادائهم في القرن العشرين وتحديدا في سنوات الستينات ولغاية عام 1988 وهو العام الذي حدثت فيه عمليات الانفال والتي احدثت الكثير من التغييرات في بنية المجتمع.. وركزت على دور الاشوريين ومكانتهم في الحراك السياسي عموما ومن ثم دورهم السياسي والثقافي فيما بينهم خصوصا .. فقد القيت الضوء مثلا على اوضاع ابناء شعبنا في الخمسينات من القرن الماضي وبعدها نزوحهم من قراهم الى المدن وعملهم فيها لسنوات وبعدها عودتهم الى القرى ولغاية عام 1961 وقيام الثورة الكوردية وما الت اليه ظروفهم في قراهم في السبعينات واجبارهم على تركها مرة اخرى، وبعدها كان لي متابعة لاوضاعهم في المدن التي نزحوا اليها وكيف بدأوا بتأسيس اندية وجمعيات او الانتماء الى احزاب معينة .. ومن ثم كيف تعاملت معهم الحكومات العراقية المتعاقبة خصوصا بعد سقوط حكم عبد الكريم قاسم ودورهم في الحركة الكوردية كاشخاص ومن ثم البدء بتأسيس الاحزاب الاشورية.. وبعدها المرحلة التي حكم فيها حزب البعث في العراق، وهنا استعنت بوثائق الحزب الموجودة حاليا في اميركا وعلى اي جانب ركزت عبر نشراتها فيما يخص حقوق الاشوريين ولماذا منحوا الحقوق الثقافية في السبعينات .

وماذا عن المصادر التي اعتمدت عليها ؟

ـ في الحقيقة لم اتمكن من الاعتماد على المصادر في اميركا بسبب قلتها .. لذا كان هناك ضرورة لزيارة العراق مرة اخرى والبحث عن مصادر جديدة، وبذلت جهودا كبيرة في البحث بسبب عدم وجود مصادر موثقة عن تاريخنا الحديث، فهناك الكثير منها عن التاريخ القديم فقط ، ورغم قلة المصادر خصوصا عن عقد الستينات والسبعينات، الا ان هناك من ساعدني في ايجاد معلومات جيدة عن الموضوع ..  كمؤسسات منها الكنائس والمركز الثقافي الاشوري وايضا شخصيات معروفة في حقل الثقافة ومنهم الاستاذ والكاتب القدير بنيامين حداد .. كما اعتمدت كثيرا على ارشيف جريدة (بهرا) لسان حال الحركة الديمقراطية الاشورية التي كانت خير عون لي في تغطية مرحلة تأسيس الاحزاب الاشورية .

 

كما هو معلوم ان المكتبات في دول الغرب فيها كم جيد من الوثائق والكتب .. لماذا لم تعتمدي عليها او تستعيني بها ؟

ـ هناك بعض الوثائق الحكومية الموجودة في المكتبات الامريكية والبريطانية ولكن لايمكن الاعتماد على ماينظره الاخرون تجاه قضايانا، ولكن يجب القاء الضوء على ما كتبه ابناء شعبنا ايضا عن قضاياهم واهتماماتهم وطموحاتهم ، ويجب على الاكاديمي ان يبحث عن الحقيقة من جميع جوانبها .. لذلك حرصت كثيرا على تغطية الموضوع من عدة جوانب وآثرت الاعتماد ايضا على الغناء كأحد المصادر بسبب سهولة وصوله الينا حيث كان هناك اشخاص كبار في السن ممن لايجيدون القراءة والكتابة ولكن عن طريق الغناء يمكنهم ايصال الكثير من المعلومات عن قضايا معينة وبطرقهم الخاصة .

 

ما هي اسباب زيارتك الاخيرة للعراق ؟

 اعمل حاليا كباحثة بعد اكمالي للدكتوراه، وقد كنت على اتصال مع مركز التراث الثقافي في جامعة بنسلفانيا الذي يهتم بحماية التراث الانساني ، وعرضت عليهم فكرة برنامج او مشروع نعمل من خلاله على كيفية الحفاظ على تراثنا القومي لذلك جئت الى العراق للاطلاع على اهم المعالم التراثية والتاريخية المتبقية والمعرضة للتخريب او الزوال، والبحث مع المعنيين ومع ابناء شعبنا حول اهم سبل حمايتها والحفاظ عليها .. يمكننا القول انها عملية توثيق لحياة الاشوريين في الوطن والعمل على حماية ثقافتنا بكل مفرداتها ، اللغة الادب ، الفلكلور ، الازياء ، المأكولات الشعبية ، الغناء ، الابنية القديمة .. ولذلك قمت بجولة في عدة مناطق والتقيت الكثير من الاشخاص والمعنيين لغرض تبادل الاراء حول كيفية حماية معالم المدن التي يقطنها ابناء شعبنا، كما التقيت بعض  المؤسسات الثقافية خصوصا في القوش ودهوك ..فنحن على يقين بان هذا المشروع يعتبر ضروريا خصوصا في الوقت الحاضر وبعد ما تعرض له ابناء شعبنا ومناطقه بعد الاحداث الاخيرة، فهذا اقل ما يمكن ان نعمله من اجل حماية تراث اجدادنا لانه عنصر مهم من عناصر وجوده وهويته.

 

كيف جاءت فكرة القيام بهذا المشروع ؟

ـ بعد ان اكملت الدكتوراه وعملي مع هذا المركز الذي كان يتبنى مثل هكذا مشاريع ولهم اهتمام خاص بها .. وبعد طرح فكرة المشروع ، ابدوا استعدادهم لتقديم الدعم لي وشجعوني على المجيء الى العراق والعمل على تحقيقه .. كما تلقيت دعوة لحضور كونفرانس بهذا الخصوص اقيم في السليمانية مؤخرا الذي اهتم بموضوع حماية التراث في المنطقة .

وما هي الخطوات القادمة التي ستركزين عليها لتحقيق البرنامج ؟

ـ اذا توفقنا في وضع الصيغ النهائية للمشروع سنقوم بالتعاون مع مؤسسات شعبنا في الوطن ومع اشخاص ممن لهم امكانيات كبيرة في مساندتنا لتحقيق المشروع لانهم بالطبع الاكثر دراية بمناطقهم وقراهم ، وخطواتنا الاولى ستكون بجمع الافكار والاراء حول كيفية تحقيق اهداف المشروع عن طريق جمع المعلومات والصور وكل ماله صلة وعلاقة بتوثيق تراث شعبنا في مناطقه .

 

كلمة اخيرة ..

ـ اود عبر لقائكم ان اقدم جزيل شكري لكل من ساندني في نيل شهادتي الماجستير والدكتوراه، وايضا لكل من قدم لي العون في زيارتي الاخيرة الى العراق.. مؤسسات واشخاص الذين ادلوا باراء  وافكار قيمة عن كيفية تحقيق مشروع التوثيق الذي اضعه في مقدمة طموحاتي في الوقت الحاضر، واتمنى ان نحققه  بجهودنا معا وبمستوى اكاديمي وعلمي يتناسب والعمق الحضاري والتاريخي لشعبنا.